المدن تكبر بثقافاتها ومثقفيها. هذه المقولة ما تزال حية ومستمرة في اللاوعي الجمعي على الرغم من الفاصل الزمني الذي قيلت فيه. يوجد أحيانا في النهر ما لا يوجد في البحر. كثيرا ما يُنظر، في تقييم الجهد الثقافي وفعاليته إلى المدن الكبيرة والحواضر، وكأنها الأمكنة الوحيدة التي ينشأ فيها الفعل الثقافي نظرا لتوفر الوسائل المادية التي تسهل هذا النشاط أو ذاك، وتُنفى المدن الصغيرة من هذه الخاصية. مع أن هناك مدنا صغيرة على امتداد الوطن العربي، تنحت الإمكانات من الحجر، لتثبت أن لها كلمة في الثقافة عندما تمنح لها الفرصة لتصبح قادرة على العطاء والإنتاج. وقد تتجاوز الحواضر الكبيرة في ذلك.
هذا ما لاحظته في العديد من المدن العربية الصغيرة، ورأيته قبل أيام، في تونس الجنوبية، في مدينة «مدنين» بالضبط. زرع هذا في قلبي فرحا جميلا وأملا كبيرا. صحيح أن تونس تعيش مخاضا تاريخيا صعبا يغطي على كل شيء، على الرغم من كونها أقل دول الربيع العربي تضررا، فقد منحتها المواطنة المترّسخة في المجتمع المؤسساتي، استمرارية بدون تفكيك لبنيات الدولة الأساسية.
لكن الذي يعطي اليوم لتونس توازنا كبيرا هي الأعمال الثقافية الصغيرة التي تحدث هنا وهناك، وتدفع بالفعل الإبداعي الخلاق إلى الواجهة. في مدنين، وهي واحدة من مدن الجنوب الواقعة بين تجاذبات ثقافية وتجارية وسياحية كثيرة، قابس، جربة، صفاقس، جرجيس، نظّمت المندوبية الثقافية لقاء كبيرا حول الرواية العربية وسؤال التعدد، وحضره كبار النقاد العرب من تونس، الجزائر، مصر، ولبنان وغيرها.
واستطاع اللقاء الثقافي المميز أن يجذب إليه صنّاع الثقافة والإبداع العربيين، وجمهورا نوعيا كثيفا، منشغلا بالقضايا العربية الكبرى، ضمن أوضاع مرتبكة تحتاج إلى المبادرات الفذة التي تحسسنا بأن الدنيا ما تزال ببعض الخير.
"مِدْنِين"... المدن تكبر بثقافاتها
واسيني الأعرج2 دقائق للقراءة

حجم الخط
