(اليوم لم يعد لكم عذر)، بصدقه وعفويته ونبله ردد الملك عبدالله هذه الجملة أكثر من مرة أمام الوزراء -بشهادة الوزراء أنفسهم- وهم -أنفسهم أيضاً- شكروا الملك عشرات المرات لدعمه السخي لكل ما فيه رفعة الوطن والمواطن، ومع ذلك نحن سادة التعثّر، فنحن لدينا المتخصصون والحاصلون على درجات علمية من أرقى الجامعات العالمية، ولدينا القدرة المادية (العالية)، أي انتفاء وجود أسباب مقنعة للفشل (المُلطّف لدينا بكلمة تعثر)، ومع ذلك تتعثر مشاريعنا!
لو طرحتُ سؤال (لماذا التعثر) على المواطن، فبالتأكيد ستأتي الإجابات ساخرة جداً، ولا تحتمل أي نوايا بريئة، وكعادتنا مع تلطيف المفردات سنجد من يرمي أسباب التعثر على (عدم النزاهة)، وعلى التسيّب، وعلى (لوبيات الشركات) التي تعرف ثغرات المناقصات جيداً، لكننا لا نذكر مفردة (الخيانة)، رغم أنه بالضرورة وراء كل مشروع تعثر (خيانة ما)، فلم يعد لأحد عذر كما قال الملك.
فأن يبدأ مشروع وقبل المدة المحددة لتسليمه يتعثر المشروع لسبب ما، مثل عدم قدرة المنفذ، ثم نبحث من جديد عن منفذ جديد أو ممول للمشروع فتلك مصيبة، والمصيبة الأعظم أن لا أحد يسأل لماذا؟ أو هل يعقل أن يكون العذر بهذه البساطة (المُنفذ تعثر)، المشاريع الوطنية ليست -جدلاً- منزل المسؤول (رغم أن منزله لن يتعثر)، فالوزارة أو الجهة المسؤولة عن المشروع يُفترض بأنها اختارت المُنفذ الذي يمتلك ضمانات كافية وشروطا جزائية تعادل على الأقل تكلفة المشروع في حالة تأخره أو تعثره، فتعثر مشروع تنموي لا يقف ضرره على المشروع ذاته، بل يتعدى ذلك ويصل الضرر للوطن بأكمله،إذ يتسبب في تعطيل التنمية وحرمان المواطن من الاستفادة منه، والتعامل مع التعثر على أنه قضاء وقدر، ليس عذراً مبرراً، هذا إذا كنا نؤمن أن هنالك عذراً من الأساس، وقد يقول قائل إنني ضد نواميس الكون وأنا أُطالب ألا يتعثر مشروع مهما كانت الأسباب، والحقيقة أنني لا أُطالب بالمستحيل، رغم أنه بناء على المعطيات المتوفرة يكون عدم المطالبة بالمستحيل نوعا من (نقص القادرين على التمام)، ولكنني –وعلى رأي نزار– (مازال عندي رغم كل سوابقي.. بقية أخلاقٍ وشيء من التقوى)، فالتعثر يجب أن يكون هو الاستثناء النادر جداً، وحتى هذا الاستثناء يجب ألا يمر بسلام عبر بوابة القضاء والقدر، بل يجب أن تكون هناك محاسبة سريعة وبشفافية عالية تضمن أن يُعاقب المتسبب (كائناً من كان)، وإن كان هناك مسؤول يتسامح مع المُقصر فليعلم أنه ليس المخول بالعفو والتسامح في شيء يخص الوطن بأكمله، وحق (خاص) لكل مواطن سعودي، أما أنا فسأقترح مُستغلاً (الميانة) مع المواطن وبتسامح عظيم أن يكون جزاء أي مسؤول يتعثر مشروع يتبع لمؤسسته فقط أن يعتذر (وأعده أننا سنقبل اعتذاره) بعد أن يُقدم استقالته، وسأتطوع للمجاهرة بشجاعته وإحساسه بالمسؤولية، وسأتخلى عن شرط شيطاني فكرت به، وهو أن يتم سجن المسؤول في مكان المشروع المتعثر حتى يتم تسليمه، وتنازلي عن هذا الشرط لا يخلو من وجاهة، ولأمر لا يتعلق بالحفاظ على البيئة، لكن شرح الأسباب الوجيهة يحتاج مساحة أكبر وأرحب، وهذا ما لا تسمح به مساحة هذا المقال (ولله الحمد)، لكن يكفي (لتدوير) المقالة والعودة لبدايتها، فرأس الهرم الحكومي قال (لم يعد لكم عذر)، وحتى هذا الصمت المُريب منكم يدخل ضمن دائرة العذر ولا نريده!