في قلب تعقيدات التاريخ والتعدد الثقافي والديني في الهند، وجَدَ المعنيون بخلط الأوراق أثناء العملية الانتخابية الأكبر في العالم، الثغرة التي ينفذون منها ويضربون. وفي مثل هذه الأحداث يكون المسلمون هم الضحايا!
ثمة شيطان، لا يمكن لأحد أن يجزم بهويته وعنوانه؛ هو الذي أحال مهمة القتل الإرهابي الأخير، في ولاية «آسام» الهندية، لمجموعة انفصالية تطلق على نفسها اسماً يتلطى بالديمقراطية (الجبهة الديمقراطية الوطنية) التي تطالب بانفصال ما يُسمى «أراضي البودو» الواقعة في ولاية «آسام» في أقصى شمال شرقي الهند، وهي التي يشكل المسلمون فيها ثاني أكبر مجموعة دينية (نحو ثمانية ملايين ونصف المليون مواطن). فقد استوطن المسلمون المنطقة، في القرن السادس عشر الميلادي، وكان زعيمهم الأول «فاكر شاه» قد ابتنى مسجدهم الأول، ووضع له حجر الأساس مع حفنة من التراب قال إنه أحضرها من مكة المكرمة وأطلق على المسجد، بطريقة المخيال الصوفي اسماً معناه «رُبع مكة»!
اختيرت لخلط الأوراق في الهند، واحدة من الولايات المشحونة بتاريخ ذي أحداث صاخبة، تستذكرها أجيال من أتباع أديان ومذاهب تزاحمت في «آسام». ففي داخل الهندوس أنفسهم، الذين يشكلون الأغلبية هناك تنوع خلافي، في طرق العبادة وفي تدرجات الأسماء المبجلة. وبين المسلمين (نحو 30% من سكان الولاية) هناك تنوعات عرقية ومذهبية وثمة مرجعيات دينية وفقهية مختلفة. وينازع العامل القومي لدى جماعة «البودو» سائر المكونات. والمسيحيون ينقسمون إلى كنيستين. ففي هذه اللُجة، تنفتح الثغرات ويتقصد المتطرفون المواطنين المسلمين!
لقد ضرب الإرهاب ضربته في «آسام» الهندية، من خلال ثلاثة انفجارات قوية منفصلة، كان أوقعها في الأرواح، تفجير محطة قطارات «شيناي». أما الانفجاران الآخران، فقد أديا إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان المسلمين عن قراهم واللجوء إلى مناطق آمنة!
ومثلما أراد الإرهابيون، فقد اندلع سجال إضافي، بين فريقي المنافسة في الانتخابات الأضخم في العالم (800 مليون أصحاب الحق في الاقتراع). فمن جهة، ألمح حزب «المؤتمر» الحاكم، إلى أن التطرف الهندوسي الذي يتبناه الحزب المنافس «بهاراتيا جاناتا» أو الـ(BJP اختصاراً) هو الذي يؤجج النعرات المناطقية في البلاد ويستحث إرهاب الانفصاليين. أما المعارضون الذين يتفوقون على الحزب الحاكم وفق المؤشرات، فإنهم يتحدثون عن فشل أمني واضح، ويستشهدون ببيان للخارجية الأمريكية صدر في نهاية الأسبوع المنصرم، تعقيباً على وقوع الانفجارات، ذكر صراحة أن البُنية التحتية للأمن الداخلي الهندي تعاني من فقدان الكفاءة والتجهيز. غير أن الثابت، هو وجود عقبة كبيرة، عند اتخاذ تدابير احترازية وإجراء تحقيقات، تواجهها الحكومة الاتحادية الهندية، من خلال الاصطدام بين صلاحياتها وصلاحيات حكومات الولايات التي تقع فيها أحداث العنف الأعمى، إذ لا تستطيع الوكالة الوطنية للتحقيقات، التي تتبع الحكومة الاتحادية، الانخراط في عملية تحقيق تضطلع بها الدوائر الشرطية المختصة في الولاية. ويثار الجدل حول تكرار الأعمال الإرهابية في القطارات، وحوادث الاغتصاب.
وينبه العنف الإرهابي، مرة أخرى، إلى حقيقة أن السياسة وحدها لا تكفي لضمان الأمن في بلد متعدد الأعراق والديانات والنزعات. فما حدث، ليس منقطع الصلة بالمعركة الانتخابية. أما الشعب، فإن الرسالة التي تلقاها، تفيد أن هناك أولوية قصوى للأمن، ربما تتقدم على الأولويتين اللتين تدور حولهما المعركة الانتخابية، وهما درء الفساد وحماية العلمانية ضامنة الحد الممكن من حقوق المواطنة في بلد كهذا. لقد ظل السجال بين القوتين المتنافستين، شيقاً أو مسلياً قبل حدوث انفجارات «آسام» التي راح ضحيتها 23 مسلماً أكثر من نصفهم من الأطفال والنساء. لكن الدماء التي سفكها الإرهابيون، أضفت مرارة وأضافت أولوية، فتراجع عنصر التشويق في السجال الانتخابي وحلّت المخاوف الأمنية. قبلها كانت مفارقات الرحى الدائر، تتدفق بلا حرج، وتتناول السير الشخصية للراحلين والماكثين، ويحضّر كل طرف مفاجآته للخصم، ومعظمها إفشاء أسرار وأقوال سُمعت في الغرف المغلقة، خبأها وكتمها أصحابها والعارفون. من بين هذه المفارقات، أن حزب «المؤتمر» صمت طويلاً على خديعة مرشح الحزب الأصولي «بهاراتيا جاناتا» لبعض وجهاء المسلمين المتنفذين. ولما كادت أن تصبح لقمة أصوات المسلمين في فمه، رش الحزب الأول على المسلمين وعلى المرشح المنافس «نارندرا مودي» تسجيلاً لحديث له في حلقة هندوسية ضيقة، يقول فيه إن وطن مسلمي الهند هو الباكستان لا الهند، ما يجعل ترحيلهم ضرورة هندوسية في رأيه. هنا، وفي هذا الخضم، يتضح كم هي مستهدفة عند البعض المتطرف، أصوات المسلمين ودماؤهم ومصائرهم!
الانتخابات الهندية: أصوات المسلمين ودماؤهم ومصائرهم
عدلي صادق4 دقائق للقراءة

حجم الخط
