مقاطع تحكي عفوية وتكلف وإبداع وتقليد الشباب السعوديين الذين بادروا إلى صناعة الدهشة، والابتسامة، والأمل، والخروج من أبوّة الجهات الحكومية المعقدة، وتمنّن الجهات الخاصة الجشعة، شبابٌ أثخنتهم البيروقراطية، وأرهقهم القمع، وأثقلتهم أغلال المجتمع المتعددة والمتباينة والمتناقضة في بعض الأحوال.
أصدقكم القول تابعت تلك المقاطع وغيرها بشغف، وفخر، في كل قوالبها المتباينة بين التعبير عن قضايا، والسخرية من أحوال، والمغامرة الخطرة التي توقظ الإدرينالين الغافي في أوصالنا الباردة من أزمنة وأحوال متراكمة، والبراءة المضحكة في تقليدية ساذجة أحيانا، والكوميديا بوصفها مكوّنا عاما، ومصدر الفخر أن الأعمال الصغيرة في إمكاناتها تدفقت إلى نواظرنا من مبدعين سعوديين، فحينما كنا لا نرى هذه المقاطع إلا للصُهب الغربيين، أو الفطس الشرقيين، استطاع شبابنا أن يبهرونا والعالم بقدراتهم على المنافسة، وأنهم أكفاء للخروج من قوالب الكوميديا المشوهة على شاشاتنا، وأثبتوا كذلك أنهم قادرون على صياغة المشهد الفني في ظل غياب المعاهد والحواضن الفنية التي ترعى قدراتهم.
في تأملنا للإبداع الأول الذي كانت كل الأفكار التالية صدىً له في الجوهر، مع اختلاف الأفكار واتساع الخيال، نجد الشاب الذي جدّف على ظهر “الوانيت” قد وضع الأسس: (سيارة دون قائد، الباب الأيسر مفتوح لدفع توهم الخدعة، سير متأنٍ، فكرة مدهشة، شيلة البارحة قلبي، مشهد صامت) فصارت كل هذه الأسس مرعية في المقاطع التالية وإن اختلفت الأفكار، أو كثُر العدد، المهم أن الأصداء تبشّر بخير التفاعل بين المبدعين.
الإبداع يا سادة ليس حالة مرضية، فهو صانع الدهشة، وجنونه بوابة التميز، وليس مرد كل حالة إبداعية إلى العلل النفسية، أو الاجتماعية، فإن كان الأمر كذلك فنحن إذن صانعو البيئة المحبطة المتخمة بالأمراض والعلل، والشباب يبحثون عن الشفاء بمخالفتنا.
قفزة فيليكس الشهيرة التي صُرفت لها الملايين، وبثتها آلاف القنوات الإعلامية، لماذا لم نعتبرها مرضا نفسيا أو بطالة أو وسوسة شيطانية، ونحن لا نتورع عن جلد شبابنا المغامرين بالتهم؛ لأنهم حاولوا تحقيق ذواتهم من خلال إبداعاتهم ومغامراتهم، سواء في قيادة السيارات أو تصوير المقاطع المضحكة أو تعبيرهم عن قضاياهم وقضايا المجتمع بطرائقهم المغايرة لعقولنا الجامدة، والعجيب أن بعض المسكونين بالغيرة والعجز نسبوها إلى (مستر بن) وتغافلوا عن إمكانات الفن البريطاني في صناعة الخدع، وأعجب منهم اتهام الشباب بالبحث عن الشهرة؟ فهل كارهو الشهرة والاهتمام والضوء أسوياء؟!
أؤمن عميقا بقدرات شبابنا، وأن الكثير من المبدعين لا يمارسون الأدوار التي يبدعونها، وأتذكر هنا حريقا شبّ في فندق بجدة قبل سنوات، حاصرت نيرانه مواطنا وأسرته في الدور الخامس، ولا منفذ سوى النافذة التي جلسوا على حوافها، بينما الجدار يمنع رافعة الإنقاذ عن التقدم، فانتظر الدفاع المدني جرافة لهدم الجدار، والنار لا تنتظر، فانبرى من بين المتجمهرين شابٌ شهم، تسلق جدار الفندق برشاقة وشجاعة حتى بلغ الغرفة المنكوبة، فكسر زجاج النوافذ بيده العارية، وصار همزة وصل بين النافذة والرافعة البعيدة، وحمل المحتجزين إلى الرافعة، فكانت شجاعته ومهارته ومغامرته هي المنقذ الأول للأسرة، وماء وجه الدفاع المدني. كان الشاب جنديا في البحرية، فلماذا لم يستقطبه الدفاع المدني إلى صفوفه؟ وما أكثر أشباهه ممن يعملون في غير ما يجيدون ويعشقون!!
في ختام العجب، فالدولة قد صرفت من خلال الرئاسة العامة لرعاية الشباب المليارات، لكن (كأس الخليج) أصبح حلما صعب المنال، فليت الرئاسة توجّه بعض تلك المليارات لإنشاء (نوادي المغامرين) وليت وزارة الثقافة والإعلام تحرك طاقاتها لاستيعاب صناع الكوميديا والمبدعين، ففي تحركهما وغيرهما من الجهات حماية لهم من ألسنة المتفيهقين، الذين يهرفون بأوصاف لحالات المبدعين لا تليق بهم، كتفسيرات (الفراغ، والجنون، ووسوسة الشيطان والبطالة والبحث عن الشهرة وغيرها)، ولم يتطرقوا للإبداع وجنونه وفنونه، بوصفه حالة تخالف المنطق والسائد أحيانا، كما وصفه الجميل (محمد السحيمي) على روتانا.