لم تكن رحلة السوري أحمد من دولة خليجية إلى بلدته في ريف إدلب (شمال سوريا) عبر تركيا، سهلة كما خطط لها وحلم بتنفيذها بعد غيابه 3 سنوات عن قريته التي دأب على استقاء أخبارها من مواطنيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الذين نجوا بأنفسهم ولجؤوا إلى تركيا.
فالرحلة التي كانت سهلة في مخططه، تحولت إلى مهمة مستحيلة لدى تنفيذها، سواء كان ذلك لناحية الأخبار المؤلمة التي سمعها قبل دخوله تركيا، أم لما رآه عند المعبر الحدودي، أم لأهوال الدمار التي طالعته في طريقه إلى بلدته.
حطت الطائرة في مطار أنطاكيا التركي فجرا، فاضطر أحمد للذهاب إلى مدينة الريحانية (3 كلم عن الحدود السورية) ليبيت عند أحد أقاربه في انتظار أن يفتح معبر باب الهوى البري القريب على الحدود السورية التركية أبوابه التاسعة صباحا ليعبر إلى الداخل السوري.
قصص ومآس
تعمد أحمد أن يقوم بجولة في الريحانية قبل دخوله إلى سوريا، فالتقى أثناء جولته بسوريين كثيرين يعرفهم وقد كانوا من كل المناطق السورية، ولكل منهم قصة مختلفة عن مآس مروعة.
فأبو محمد وهو من حي الشعار الحلبي الشهير، قال بلهجته الحلبية: ابن الحرام (أحد طياري الأسد) أسقط البرميل المتفجر مباشرة على بنايتنا، فلم يبق منهم أحدا، وبقيت أنا لأني كنت بعيدا عن المنزل.. قضوا جميعا .. زوجتي وأولادي وأمي.. لا وفقه الله.
وتقول أم حسن من البارة في جبل الزاوية، إن قذيفة أصابت الغرفة المحصنة في منزلها، والتي كانت تؤوي جل عائلتها، فأدت إلى مقتل 3 منهم، بينما نجا حسن ولدها الكبير «الله يسلمه لي فهو يعيلنا».
أمنية أبو عذاب
في التاسعة صباحا خرج من الريحانية متجها إلى معبر باب الهوى الحدودي الذي يبعد 3 كلم. على امتداد الطريق كانت شاحنات محملة بالمواد الغذائية وغيرها تقف بانتظار الدخول للأراضي السورية.
وما كاد يصل أحمد إلى المعبر الحدودي ويترجل من سيارة التاكسي ويدفع 5 ليرات تركية (10 ريالات)، حتى باغتته عبارة «تهريب معلم؟ تهريب معلم؟». وكان السائل سوريا أوجد لنفسه عملا على المعبر في إيصال القادمين إلى سوريا بطريقة غير نظامية لأي سبب، سواء كان عدم وجود جواز سفر معه أو أي أمر آخر. وصاح آخر وهو لا يزال في سن الطفولة، سائلاً: «عرباي معلم عرباي معلم»، أي هل تريد أن يحمل الأغراض مقابل مبلغ من المال. وافق أحمد فحمّل العامل أغراضه مسرعا وأخذ يدفع عربته، فانتهز الفرصة، وسأله: ما اسمك؟ أجاب: أبو عذاب. من أين أنت؟ أجاب: من حلب. أين تسكن؟ فرد: لا أسكن في مكان .. تحت الشاحنات. لماذا، أين عائلتك؟ رحلوا جميعا.. لم يبق منهم أحد.. الله يرحمهم استراحوا من هذه الدنيا .. ليتني استرحت معهم ومثلهم.
صمت وجندرما
بعدما تلقى أحمد هذه الكلمات صمت مصدوما، ولم يعد يتكلم حتى وصل إلى المعبر، فدخل مكتب «الجندرما» التركي وختم الموظف جوازه بختم العبور.
لاحظ أحمد أن المعبر التركي أصبح بعيدا جدا لمسافة تزيد عن 2 كلم عن المعبر السوري إذ كانا قبل ذلك قريبين جدا، فقيل له إن الأتراك أبعدوه كتدبير أمني، بعد تفجير استهدف المعبر القديم.
كلمة السر
سار أحمد تلك المسافة وأبو عذاب يدفع العربة، حتى وصلا إلى النقطة السورية التي تتولاها «الجبهة الإسلامية» بعدما أبعدت عناصر «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) عن المنطقة، ووصف الأمر بالتحرير الثاني بعد التحرير الأول من نظام الأسد.
هنا استحضر أحمد كلمة سر أوصاه باستخدامها أحد أصدقائه المنتمين إلى الجبهة لدى لقائهما قبل ساعات بتركيا. سأله العنصر الملتحي: من أين أنت؟
فأجابه بكلمة السر: «أبو عائشة البنشي».
وكانت تلك العبارة بمثابة بطاقة عبور لكل الحواجز المنتشرة في منطقة ريف إدلب المحررة من نظام الأسد، وصولا إلى بلدته من دون تفتيش أو حتى سؤال، إذ أحضر له عنصر الحاجز سيارة دفع رباعي لتقله إلى المكان الذي أراد الوصول إليه، فاستنتج أن صديقه أوصى بالاهتمام به، وهكذا كان.
23 أبو دجانة
استقل السيارة وكان يقودها عنصر عرف عن نفسه بأنه «أبو دجانة». على جانبي الطريق الذي يمر بعدة مدن، لاحظ أحمد أن معظم المنازل مدمرة أو متضررة حتى أصبح المشهد واحدا، لونه رمادي اسمنتي، إذ فقدت المنازل بعد أن أصبحت ركاما ألوانها، والباقي منها أفقده الغبار ودخان المعارك بريقه. بدت المناظر التي يراها كأنها مأخوذة من فيلم وثائقي عن الحرب العالمية الثانية.
فجأة سحب السائق «أبو دجانة» مقبض الفرامل وصرخ «غارة غارة» .. فهم أحمد أنه يجب عليه الترجل من السيارة فورا والهروب، لأنها هدف لطائرة حربية، وكان ذلك. لحظات وسمع ضحكاته وهو يقول: أبعدوها الشباب بالـ23، أي المدفع المضاد للطائرات الذي ملأ المكان بدوي هائل. ثم تابعنا طريقنا، وكأن شيئا لم يكن بالنسبة إليه، كان الطريق متعرجا وعرا ويتم تغييره فجأة في أحيان كثيرة «احتياطات أمنية» هذا ما قاله «أبو دجانة»، ولهذا استغرق الطريق ما يقرب من 3 ساعات مع أن المسافة لا تتجاوز الـ60 كلم من المعبر إلى البلدة المقصودة.
فول أوبشين
أوصله مباشرة إلى شخص يدعى«ابن العمشا» يؤجر سيارات خاصة،بعد أن طلب منه واحدة.
الشرط الأول لتستأجر سيارة هو أن تكون شخصا موثوقا به ومعروفا بنزاهتك كي لا تسرق السيارة أو تقوم بأعمال مشينة بها. والثاني أن تتعهد بدفع ثمنها إذا تعرضت للتلف بسبب القصف، أما إذا متّ أثناءه، فلا مشكلة، سيسامحك ولن يطالب عائلتك بشيء، فأنت شهيد.
سأل «ابن العمشا»: أتريدها «فول أوبشن»؟ أجابه: طبعا (متعجبا).
أشار بيده نحوها، وقال: هذه نظيفة ورخيصة، 15 ألف ليرة (سورية) في اليوم فقط (400 ريال)، وأعطاه المفتاح. فأخذه وهو يشعر بأن استغلاله بدأ.
عندما جلس في السيارة أراد أن يعرف ما هو الـ»فول أوبشن»؟ واكتشف الأمر بما وجده داخل السيارة: قنبلتان يدويتان، رشاش كلاشنكوف، مسدس. وقد صممت لها أماكن مخصصة.
المستشفى القبو
ابتلع ريقه وانطلق إلى المشفى الميداني في المدينة. علم هناك أن طائرة ألقت قبل ساعتين برميلين متفجرين أديا إلى هدم عدة مبان، ومقتل امرأة وجرح طفلين وشاب.
كان المشفى في قبو بناية: غرف صغيرة تحوي أجهزة طبية متواضعة تكفي لبعض العمليات البسيطة، وهو مخصص لعلاج الحالات البسيطة وتهيئة الحالات الخطرة لإرسالها للمشافي التركية.
هنا وجد صديقه «أبو سيف» ممددا وقد بترت قدمه، وثبتت دعائم حديدية في الأخرى نتيجة إصابته بشظايا من قذيفة دبابة في معركة لصد قوات النظام أثناء محاولة التقدم. قال له: في سبيل الله.. في سبيل الله.
يعتبر الجانب التركي المتنفس الوحيد للجرحى السوريين الذين تتعذر مداواتهم في المشافي الميدانية البسيطة الكوادر والمواد، والتي تقدم الإسعافات الأولية وبعض الخدمات الطبية البسيطة والمستعجلة لجرحاها، والمنتشرة في المدن والقرى السورية التي تتعرض للقصف اليومي من قوات النظام.
فسيارة الإسعاف الآتية من الجانب السوري لا تخضع لعملية التفتيش في الجانب التركي من المعبر، بل تمضي مباشرة إلى المشافي التركية الحكومية التي توفر التداوي المجاني للسوريين فيها.
تبخر المساعدات
خرج أحمد ليتفقد بعض العائلات الفقيرة بعد أن أخذ القائمة من فرع الهلال الأحمر التابع لإدارة المناطق المحررة في «الجبهة الإسلامية». رأى حالات من الفقر لم يشاهدها من قبل، خاصة من الذين لم يغادروا المدينة حتى في أشد وأشرس أيام القصف الذي تعرضت له، لأنهم لا يملكون شيئا أصلا.
وعلم أيضا أن لهذه العوائل نصيبا من المساعدات التي تأتي للبلاد سواء من المتبرعين أو الهيئات غير الحكومية والخيرية أو من الدول مثل دول الخليج والسعودية.
طبعا يصل من هذه المساعدات ما نسبته 40 % في أحسن الأحوال، ويوزع من النسبة الأخيرة 50 % للمستحقين لها، وذلك في أحسن الأحوال .. والباقي يخضع لعملية تبخير أثناء وصولها وتوزيعها كما أوضح «أبو الليث» أحد العاملين في الجمعية الخيرية. وقال: طبعا هذا ينسحب على أغلب مناطق سوريا وخاصة حلب.
مناطق محررة وأمن ذاتي
يروي بعض سكان المناطق الشمالية السورية التي تحررت نسبة كبيرة منها في 2012، أن مظاهر سلبية كثيرة انتشرت حينها من عصابات السلب والنهب والخطف إلى التهريب وقطاع الطرق، مستغلة الفراغ الأمني المفاجئ، مما فرض ضرورة إيجاد هيئات تنظيمية شعبية ثورية تقوم على إدارة هذه المناطق إلى جانب العمل العسكري ضد النظام.
وكانت البدايات بتشكيل لجان أحياء مؤلفة من بعض شباب الأحياء تقوم بدوريات ليلية لحمايتها، في حين تقوم بعض الكتائب المقاتلة بالتنسيق فيما بينها بانتداب مجموعات منها لحماية الطرق العامة بين المدن.
وكان هذا حلا موقتا استمر لأشهر، بعدها تم تشكيل الهيئة الشرعية المدعومة من أغلب الفصائل المقاتلة الموجودة على الأرض (الجبهة الإسلامية التي تضم أحرار الشام وجبهة ثوار سوريا وجيش الشام وغيرها، وجبهة النصرة، والكثير من الفصائل والألوية) وتحوي قضاة شرعيين، وتنفذ الأحكام بدعم من قوة عسكرية، تابعة لفرع الهيئة الشرعية في كل مدينة. وهذه الفروع تتبع للهيئة العامة للمحافظة والتي تتبع بدورها للهيئة الشرعية العامة في سوريا.
وكان دور المجلس الوطني أو الائتلاف السوري المعارض - الذي لم يعد يلقى دعما شعبيا الآن- مقصورا على تشكيل مجالس بلدية محلية في كل بلد لتسيير أمور الماء والكهرباء التي كانت شبه منقطعة.
وازدادت الأمور تنظيما شيئا فشيئا حتى أصبح هناك شبه استقرار في هذه المناطق. طبعا هذا لا علاقة له بالقصف اليومي الذي تتعرض له أغلب هذه المناطق، والذي يحيل حياة الناس إلى جحيم لا يطاق من الخوف والرعب اليومي، والذي اعتاد عليه الناس شيئا فشيئا حتى أصبحوا يمارسون أعمالهم اليومية وكأن شيئا لم يكن.
النزوح
عندما أجبر النظام الناس على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، كانت الثورة عفوية وبكرا، وحررت 70 % من الأراضي السورية بأيام قليلة وسلاح خفيف جله بنادق صيد، وخاصة المناطق الشمالية والريف الحلبي والإدلبي، وبقيت في هذه المناطق الواسعة جزر صغيرة تحت سيطرة النظام في بحر كبير من المناطق المحررة، لكنها خنجر ما زال إلى الآن في خاصرة هذه المناطق، إذ تقصف منها براجمات الصواريخ والمدفعية وأنواعها المتعددة، والأهم البراميل والسكود والصواريخ الفراغية.
ولا يخلو الأمر من طلعة يومية للطيران الحربي، وليلا غارات بالرشاشات الثقيلة. لتستمر تغريبة النزوح والعودة منذ 3 سنوات من مدينة لأخرى، ومن دولة لأخرى.
في بداية 2012 كانت بعض قذائف راجمات الصواريخ أو إشاعة قوية لمحاولة الجيش والشبيحة دخول مدينة ما، كفيلة بتهجير مدينة بأقصى سرعة، حتى أصبح الناس يبيتون بفراشهم وهم مستعدون للرحيل منتعلين أحذيتهم.
باب الهوى
وكعادة المناطق الحدودية أثناء الحروب كانت الحدود التركية السورية الطويلة نقطة دخول وخروج مزدحمة دائما، خاصة المعابر التي حررت باكرا في ريف إدلب مثل معبر باب الهوى. لقد كان هذا المعبر المتنفس الوحيد للمناطق الشمالية وقتها، ثم توالت فتوحات المعابر على طول الحدود التركية السورية، والتي سقط آخرها منذ وقت قريب، وهو معبر كسب.
أهم المعابر واقتصاد الحرب
يبقى معبر باب الهوى ذا أهمية كبيرة، ولا يستطيع الطيران السوري أن يقصفه لأنه كإصبع في بطن الأراضي التركية.
حاولت طائرة للنظام ذلك مرة فأسقطت من قبل القوات التركية، وبهذا علم النظام أن هذه المنطقة خارج سيطرته تماما.
وعرف الناس ذلك فازدهرت المناطق الحدودية مثل مدينة سرمدا وأطمة وغيرهما، كما المناطق المقابلة من الطرف التركي مثل أنطاكيا (هاتاي)، والريحانية (ريحانلي)، وغيرهما من المدن الحدودية التي كانت تعتبر من المناطق النائية في تركيا.
تولى الجيش الحر في البدايات المعبر بعد أن حرره من النظام، بالاتفاق مع القوات التركية، بشرط تنظيم الدخول والخروج من المعبر، ثم تسلمته الجبهة الإسلامية من الجيش الحر بعد أن أصبح لا يستطيع إدارته أمنيا.
وبالمقابل تحظى الجبهة الإسلامية بتنظيم كبير، وشعبية كبيرة، كون عناصرها من السوريين المعتدلين، وكثير منهم يحملون شهادات جامعية في مختلف المجالات الطبية والاقتصادية والأدبية، وهذا ما أسهم في قوتها التنظيمية وحسن تدبيرها للأمور، فأصبح المعبر ممرا نشطا للسيارات السورية والنازحين السوريين الذاهبين والعائدين.
أغلب من لديهم استطاعة مادية ولو بسيطة، لم يلجؤوا للمخيمات، بل فضلوا المدن الحدودية، لظنهم أن الأمر لن يطول.
لكن الأمر طال كثيرا، مما ولد حركة نزوح باتجاهين، الأول: من جحيم القصف باتجاه الأراضي التركية.
والثاني: النزوح من التكاليف الباهظة للحياة في تركيا بعد أن ارتفعت تكاليف السكن والمعيشة أضعافا مضاعفة.
وتولدت بذلك حركة تواترية جيئة وذهابا، واستمرت معها عمليات تهريب كل شيء من الأراضي السورية عن طريق عصابات امتهنت ذلك، لغياب سلطة الدولة والجيش الحر (إلى أن ظهرت المحاكم الشرعية وبسطت نوعا من الأمن) عن بعض المناطق خاصة في الريف الحلبي المشهور بالصناعة، وهُرّبت المصانع المسروقة وبيعت كخردة، الآثار وكل شيء، حتى الأبقار والمواشي هربت.
أفرغت سوريا تماما، هذا كله جعل هذه المناطق بحاجة لكل شيء بعد أن كانت تصدر كل شيء، والمصدّر الآن تركيا، وبذلك ازدهرت حركة البضائع من تركيا لسوريا، ومنها السيارات الأوروبية المسروقة التي وجدت رواجا في المناطق السورية، ومن المقاتلين والجيش الحر وخاصة سيارات الدفع الرباعي.
وهكذا أوجدت الحرب السورية اقتصادها كما كل الحروب توجد اقتصاداتها، وبدأت مرحلة جديدة وانفتاح جديد على مجتمع جديد واقتصاد جديد، خاصة أن تركيا لم تطلب من السوريين الذين يدخلون أراضيها جوازات سفر في البداية، وإنما الهوية السورية تكفي، ومنحت الإقامة التركية لمدة 8 سنوات لأي سوري بعد 3 أشهر من الإقامة في تركيا.

