أراض فضاء لا جدران تحدد ملامحها، أحواش عارية الحدود، وإن زان حالها فإنها شبه مسورة، تتخذ من أحياء العاصمة المقدسة مواقع لها، وعجزت جهات عن التحرك حيالها أو تغيير واقعها، فبقيت على حالها، ولم يتغير في واقعها شيء، سوى تحولها لمكبات نفايات، وملاذا للجرائم ومرتكبيها على حد سواء.
جولة «مكة» التي شملت أحياء في العاصمة المقدسة، كشفت عن مفارقات، أولاها كانت لوحات تحمل في قمتها شعار أمانة العاصمة المقدسة، وفي المتن دعوة للحفاظ على نظافة البقعة الأقدس، الغرابة ليست هنا، بل في لوحات تحث على النظافة وتحذر من إلقاء المخلفات، مقابل أرض مهشمة الأسوار وتعج بروائح النفايات.

أرض تتوسط إدارات حكومية

الخطوة الأولى كانت في قلب حي العتيبية القديم، فبالقرب من مواقع أجهزة حكومية ومبان سكنية، تتوسط أرض نصف مسورة الحي، يحيط بها فرع البلدية، وإدارة الأحوال المدنية، ومدرسة.
الأرض جار عليها الزمن فانتهك المارون حرمها، وحولوا منتصفها إلى ممر محلي للمركبات، فيما يتخذه مراجعو الإدارات الحكومية القريبة منها أثناء الدوام الرسمي مواقف لسياراتهم وتحيط بها أصناف القمامة.

البلدية ترفع الراية البيضاء

حملنا استفساراتنا إلى الجهة المعنية والتقينا موظفا في بلدية العتيبية الفرعية، فطرحنا على مسمعه واقع الأرض وما آلت إليه، فخرجت الإجابة من بين شفتيه بتذمر وكانت ردوده أشبه ما تكون بأسئلة تعجب، إذ قال:لا نعرف مالك الأرض، وحدود معرفتنا أنها ملك خاص.
سألناه عن مصدر النفايات وكيف تحولت الأرض إلى مردم يشكل خطرا على سكان الحي، فأجاب: نريد أن نعلم من الذي حولها إلى مرمى.
واسترسل في الحديث محملا اللوم بعض الجهات: تأتي ناقلات تابعة لشركات تفرغ حمولتها وتستغل الفترة المسائية لتنفيذ أعمالها بعيدا عن أعين موظفي البلدية، ونظفناها مرارا وتكرارا لكن دون جدوى، فبمجرد إعادة تهيئة الأرض من جديد تعود الناقلات لتفريغ حمولتها داخل الحوش بل في كثير من الأحياء نجد مخلفات ونفايات على الرصيف.
وختم حديثه معترفا: ليس باليد حيلة فنحن لا نعرف من يعيد الأوساخ إلى الموقع في كل مرة.

شركة النظافة: عجزنا عن السيطرة

انطلقنا نحو الشركة المتعاقدة مع أمانة العاصمة المقدسة والتي يقع حي العتيبية ضمن دائرة اختصاصها، فقال مسؤول فيها: ليس باليد حيلة، خاطبنا الأمانة مرات عدة ولا حياة لمن تنادي.
وعاد متحدثا عن الأرض التي وصفها بالقديمة: لا جدوى من تنظيفها في الوقت الذي لم تجد مخاطبات الشركة أذنا صاغية في الأمانة، فقبل أربعة أشهر نظفت الأرض، وما لبثت أن عادت إلى سابق عهدها وأصبحت مليئة بالقمامة والمخلفات.
وأشار إلى أن الأرض باتت تستخدم لأغراض أخرى مختلفة، إما من قبل العمالة المخالفة أو موظفي الأحوال المدنية كمواقف للسيارات، فيما يتقاعس قائدو الشاحنات عن الذهاب للمرمى العام، فيلقون بالحمولات داخل الحوش.

الأحوال المدنية: يحق لنا تحويلها لمواقف

توجهنا لجار الأرض إدارة الأحوال المدنية، والتي قال مديرها حسين البركاتي: يحق لموظفينا إيقاف سياراتهم في أي مكان باعتبار مبنى الإدارة يقع على أربعة شوارع، أما المخالفات فلا علاقة لنا بها، ومالك الأرض لا ندري من هو.

التعليم: سلوكيات خطرة تنتظر الطلاب

بالقرب من الأرض تقع مدرسة بنين، الأمر الذي يشكل خطرا سلوكيا على الطلاب خاصة بعد انصرافهم، وفي هذا السياق أكد مدير التربية والتعليم بمكة المكرمة حامد السلمي، أن إدارته حريصة على الطلاب والبيئة المحيطة بهم، وأن عملا دائما مع أمانة العاصمة المقدسة لحصر الأراضي والأحواش الواقعة بالقرب من المدارس لتسويرها، مضيفا أنه خلال الفترة الماضية وقفت فرق ميدانية على أراض وأحواش قريبة من منشآت تعليمية وصححت أوضاعها.
وبحسب التربوي طارق هلال الذي لفت إلى أن وجود أراض بيضاء بالقرب من مرافق تعليم البنين، أمر خطر على الطلاب ـ ويسهم في تهيئة الأجواء لارتكاب سلوكيات خاطئة ومخلة داخلها، بعد أن تحولت معظمها إلى أوكار شبه منعزلة عن أعين البشر.
وأشار إلى أن الحوش الذي يجاور المدرسة، أصبح بفعل النفايات وكثرة المواد سريعة الاشتعال، عرضة لنشوب حرائق، إضافة إلى أن تكوم النفايات وارتفاعها عن سطح الأرض، شكل بؤرة لبعض الممارسات والسلوكيات اللاأخلاقية وغير المرغوب فيها.

خبير أمني: استخدامات مخالفة للأمن والأخلاق

ولأن الخطر جراء بقاء الأراضي على حالها دون تسوير يشمل نواحي عدة من بينها الأمنية، فقد حذر الخبير الأمني اللواء يحيى الزايدي، من تركها دون رقابة، لأن البعض سيسيء استخدامها في أغراض مخالفة أمنيا وأخلاقيا، مطالبا بضرورة التدخل السريع لمعالجة أوضاعها، مضيفا أن تكدس المخلفات داخلها يحجب الرؤية ويجعل منها مواقع مستهدفة من قبل مجرمين هاربين أو متعاطين للمخدرات، فضلا عن استخدامها لدس المسروقات باختلاف أنواعها.
وشدد على ضرورة إلزام ملاّك الأراضي بتسويرها وإغلاقها وسرعة التحرك لإزالة كل ما يعيق الرؤية داخل الأراضي المملوكة للحكومة وتسويتها بالشوارع للحد من استخدامها في أغراض سيئة ومخالفة أمنيا وأخلاقيا.

غرفة مكة: نتدخل ولكن بشرط!

نائب رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية والصناعية بالعاصمة المقدسة إيهاب مشاط ذكر أن الغرفة لا علاقة لها بالأراضي البيضاء إلا في حال رصد تأثير اقتصادي جراء عدم تسويرها أو العناية بها.

حظر رمي النفايات ومحاسبة المعتدين

كرة الاتهام تكبر، وكل جهة تتبرأ من المسؤولية وتتنصل، وملقية باللائمة على أطراف أخرى، حتى جاء دور المشرف العام على البلديات الفرعية المهندس سعود الهزاني، الذي أكد وجود تعليمات تحظر رمي المخلفات في الأراضي البيضاء، وتقوم الأمانة والشرطة والمرور بمحاسبة من يضبط مخالفا، مضيفا أن أصحاب الأراضي ملزمون بتسويرها.
وعن عدد الأراضي غير المسورة في العاصمة المقدسة، ذكر الهزاني أنهلا يمكن حصر المساحات الشاسعة غير المبنية في مكة المكرمة، مستدركا: لا فائدة من الحصر والمواقع التي تكثر فيها الظواهر المخالفة تراقب وغالبا ما تكون على أطراف المدينة.

أمانة العاصمة: الأحواش لأفراد

وكان الختام مع أمانة العاصمة المقدسة التي جاء على لسان ناطقها الإعلامي أسامة زيتوني أن فرقا ميدانية تراقب الأراضي البيضاء وفي حال ضبط مخالفات تطبق الأنظمة على المخالفين.
وعن طبيعة العقوبات قال: يلزم المخالف بتنظيف الأرض ويغرم ماليا، ويتعهد عليه خطيا بعدم تكرار ما اقترفه، وأن معظم الأراضي غير المسورة في مكة تعود ملكيتها لأفراد وليست للدولة.
وأشار إلى وجود حملات توعوية لتعريف أطياف المجتمع بأضرار رمي المخلفات في الأراضي البيضاء، إضافة للوحات إرشادية تحذر من رمي المخلفات وتبين في الوقت عينه العقوبات.

عناصر سرية للمراقبة والتحري

مصدر أمني أكد أن عمليات تمشيط على مدار الساعة تجري، وتركز على الأحواش الواقعة ضمن النطاق السكاني، كما أن عناصر أمن سرية تتواجد بصفة مستمرة مهمتها المراقبة والتحري، وتتعامل مع حالات الاشتباه بأشكالها المختلفة، لافتا إلى أن الجهة الأمنية المسؤولة بشكل مباشر عن الأحواش الدفاع المدني باعتبار النفايات وغيرها من المواد القابلة للاشتعال ضمن اختصاصاتها، في حين أن الأمانة هي الجهة المسؤولة رسميا عنها بشكل كامل.