أكد البرفسور غريغوري غوز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة فيرمونت الأمريكية أن السعودية تبدي اهتماما أكبر بمسار الأوضاع في دول منطقة الشرق الأوسط عموما، وفي سوريا خاصة، مقارنة بالسياسة الأمريكية التي تبدو متناقضة وغير فاعلة.
وشدد غوز، الذي يشغل موقع زميل أول غير مقيم في مركز بروكنجز الدوحة للدراسات، في محاضرة قدمها أمس الأول في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن، على أن الحرب الباردة الدائرة في الشرق الأوسط بعنوانها الجديد، ما هي إلا وجه آخر للطراز القديم من صراع القوى الإقليمية وتنافسها على التأثير في سياسات الدول العربية الضعيفة.
وعوضا عن توصيف الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط بالحرب الطائفية أو الصراع السني ـ الشيعي، قال غوز إن الأنظمة السياسية التي كانت تحكم ما قبل الربيع العربي، وما بعده أسهمت في خلق مناخ سياسي، أو فراغ سياسي أدى لانهيارها أو وقوفها على حافة الانهيار، ما استوجب على القوى الإقليمية التحرك لتغطيته.
ومن هنا رأى غوز أن الحل للخروج من الوضع السائد بالشرق الأوسط لا يكون إلا ببناء دول فاعلة تملأ الفراغ السياسي في الدول التي انهارت أو ضعفت أنظمتها السياسية، لأن الفراغ السياسي وضعف الدولة المركزية يشكلان سماد التربة الخصبة لتصارع القوى الخارجية على مد نفوذها داخل حدود الدول الأخرى.
وأشار غوز إلى أن الصراعات الدائرة في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، ابتداء من سوريا ووصولا إلى ليبيا، مرورا بكل من: العراق، لبنان، واليمن، وإن كان يبدو لكل منها ديناميكية فريدة وخاصة بها، إلا أن كلا منها يشكل جزءا من “الحرب الباردة الجديدة في الشرق الأوسط” التي تحركها وتتحكم في مساراتها قوى إقليمية فاعلة مثل إيران وتركيا وإسرائيل والسعودية، وحتى قطر، في محاولة لتحقيق مصالح كل منها مقابل تحجيم نفوذ اللاعبين الإقليميين الآخرين.
ونوه غوز، وهو مؤلف ثلاثة كتب والعديد من المقالات حول السياسة في الشرق الأوسط، مع التركيز بشكل خاص على شؤون الخليج العربي، بأن التنافس على النفوذ في شرق أوسط ما بعد الربيع العربي، قد ترجم من خلال تدخل القوى الإقليمية في السياسات الداخلية للدول التي كانت فيها أنظمة الحكم ضعيفة، أو على وشك الانهيار أو انهارت تماما.
وفي هذا الإطار سعت كل من السعودية وإيران وتركيا وإسرائيل وغيرها من القوى الإقليمية لزيادة نفوذها في تلك الدول، وفي الوقت ذاته عملت على تحجيم نفوذ الدول المنافسة عبر إيجاد حلفاء محليين بسوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن وأماكن أخرى من الشرق الأوسط.
وأضاف أن الصراعات الأيديولوجية بين السنة والشيعة، وبين الإسلاميين المتطرفين والقوى العلمانية أسهمت في تعقيد المهمة الصعبة أصلا لإعادة سلطة الدولة في دول الربيع العربي، ثم جاءت دعوات البعض للتدخل الأجنبي لتزيد المشهد تعقيدا بجميع دول المنطقة.
وخلال محاضرته سلط غريغوري الضوء على أوجه التشابه بين الحرب الباردة الجديدة وتلك التي استمرت خلال الخمسينات والستينات (الفترة الناصرية) من القرن الماضي.
وقال إن التشابه الأكثر أهمية هو عدم حدوث مواجهة مباشرة بين الخصوم الرئيسيين، والاكتفاء بإدارة الصراعات عبر توريد الأموال والأسلحة والتكنولوجيا للحلفاء الداخليين في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن.
كما أن هدف كل من هذه القوى الإقليمية كان في الحرب الباردة القديمة كسب النفوذ وتحجيم نفوذ القوى الأخرى، وهو الهدف ذاته الذي ما يزال قائما خلال الحرب الباردة الجارية حاليا.
وذكر غوز أن ما يميز تلك الحرب أيضا هو وجود أكثر من محور للصراع، إيران مقابل السعودية، وقال “لا ينبغي تبسيط المشهد وتصويره على أنه مجرد صراع بين السنة والشيعة، لأن التركيز على الجانب الطائفي قد يجعل المراقبين يغفلون التوتر الحاصل داخل الطائفة السنية مثلا”.
وحسب غوز، فإن هذه الصراعات ليست معركة طائفية تدار بشكل كامل من أعلى إلى أسفل وبتحريض من كبار الزعماء السياسيين، حيث هناك وجود لحراكات طائفية أخرى من قبيل مطالبات الأكراد وحتى تململ المسيحيين، ويمكن فهم تحرك هذه الجماعات التي غالبا ما تسعى في ظل غياب الدولة المركزية القوية إلى حماية هويتها ومصالحها عبر الارتباط مع قوى خارجية أو حتى طلب التدخل الأجنبي المباشر لحمايتها.
وعن دور الولايات المتحدة، خلص غوز إلى القول إن الولايات المتحدة ليس لديها الكثير لتقدمه في الحرب الباردة الجديدة، حيث إنها تبدو “أقدر على تدمير الدول من بنائها”.
وأوضح أن ما يبدو “تناقضا” في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة (على سبيل المثال التوصل لاتفاق نووي مع إيران، بينما تدعي السعي للحد من نفوذها الإقليمي)، هو في الواقع “انسجام” مع المنطق الداخلي للمصالح الأمريكية الذاتية.
وفيما يخص الصراع السوري، قال إن الولايات المتحدة فضلت تقليص انخراطها فيه، ليقتصر على مساعدة الأردن على التعامل مع الأعداد الكبيرة من اللاجئين السوريين، لكي تتفادى تسرب الكثير من الآثار الجانبية السلبية للأزمة ليس إلى الأردن فقط، بل إلى العراق ولبنان أيضا.
خبير أمريكي: السعودية أكثر اهتماما بالوضع السوري من الولايات المتحدة
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
