في إحدى لقاءاته الصحافية (مايو 2004) أطلق الدكتور عبدالله الغذامي، عدة تصريحات، وصف فيها أدونيس ونزار قباني والمتنبي بـ”الأصنام”، وأضاف الغذامي حينها أن أدونيس شاعر حداثي رجعي، لأنه، في نظره، يرسخ القيم القديمة ويمجد الأنا الطاغية، بينما يكرس نزار في شعره الخطاب السائد ويقدم المرأة كجسد، أما المتنبي فيصوره الغذامي كفحل آخر من فحول الحداثة الشعرية، الذي يعزز الأنا الصارخة والخطاب الكاذب.

والآن وبعد عقد من الزمن، ومع تحول كثير من الرموز الدينية والثقافية من الإعلام التقليدي، إلى الإعلام الجديد بأقنيته المغرية والمتنوعة، هل تحول كل شخص من هؤلاء إلى صنم آخر يحاول أن يجمع حوله أكبر عدد من مريديه، ليقنعهم بأفكاره وأطروحاته، وليفاخر بأعدادهم المليونية أمام الملأ؟.
وفيما يرى أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك سعود، الدكتور حسين المناصرة، أن هناك أصناما ثقافية كثيرة في العالم العربي، صنعت في سياقات غير ثقافية وغير أدبية، تخالفه الرأي عضو هيئة التدريس بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة الملك عبدالعزيز، الدكتورة فاطمة الياس، مؤكدة أن مقولة “تحطيم الأصنام الثقافية” ما هو إلا أسلوب مهذب لمحاولة “قتل الآباء” ومحو تأثيرهم بعد أن نضجت الثمرة وهذا هو الجحود بعينه، بحسب رأيها.
من جهته، يقول القاص، محمد المنقري، إن المثقف وجد نفسه منقادا إلى الضوء المدهش، ومع تزايد ولاءاته وخدماته السياسية والفكرية للأصنام الكبرى، تزايدت الجينات الصنمية المكتسبة لديه.


“كتبت كثيرا عن هذه الصنمية وكنت أطالب بتحطيمها بصفتها عائقا يحبط المبدعين الشباب، هناك كثير من المبدعين المهمشين، هم مثقفون حقيقيون، ولكنهم للأسف يغيبون عن المشهد النقدي والإبداعي.
ربما يكون الإعلام أو بعض العوامل الأخرى أسهمت في خلق هذه الأصنام وهذه المشكلة في ثقافتنا، التي تنظر لبعض الجوائز كتسويق لشخصية معينة، المشكلة أننا لا ندرس النصوص مجردة، بل ندرسها عطفا على الأسماء، وهذا ما يكرس للصنمية”.

حسين المناصرة


“لا ينكر دور السابقين وأهمية بصمتهم الأبوية، وليست الصنمية، في كتابات اللاحقين، إلا مندفع أو باحث عن شهرة، فكبار الأدباء يعترفون بفضل أعمال الآباء ودورها في أطوارهم الكتابية، والإشكالية أن هناك من المجايلين من ينصب نفسه وليا للشأن الأدبي والثقافي، ويهمش ما دونه خاصة من أصحاب التجارب الناشئة، وأجزم أنهم لم يستمدوا “صنميتهم” إلا من أسبقيتهم عندما كانت الساحة فارغة إلا من نقلهم وادعاءاتهم”.

فاطمة إلياس


“الذاكرة العربية وثيقة الصلة بالأصنام وصناعتها، والارتهان إليها، والعيش في ظلالها، وجنت منها نفعا حقيقيا ومجازيا متوهما ممزوجا بالخنوع وتحييد العقل وقمع الأسئلة، وفي ظلال الدين السماوي تحرر الناس من أصنامهم، لكن بعضهم عاد سريعا إلى تهيئة وتجهيز أصنام الولاية والسياسة، وارتهنوا لقداستها مجددا، لتلف حول أعناقهم وعقولهم أغلال التبعية والاستعباد الذي صنعته أيديهم، وتفاقمت المعطيات والأصداء مع نشوء الأصنام السياسية المعاصرة”.

محمد المنقري