لاحظت أن كثيرا من الزملاء الكتاب وبعض المثقفين يعاني من ظاهرة الثرثرة الفضائية السياسية. يظهر في معظم القنوات الفضائية ويحكي وكأنه جالس مع أصحابه في مقهى ولا يعطي المشاهد والمتلقي اهتمامه وبالتالي لا يحترم عقله وتفكيره. لقد غيرت الفضائيات الصورة الذهنية للمثقف من منظور شامل، ولم يعد المثقف ذلك الشخص المنبهَر به من قبل الناس. ولم يعد صاحب الجولة الأخيرة من الرأي عند المتلقي، ولن يهزم المثقف الناس بثقافته، ولن يكسر ضعفهم، ولن يشبع شهواتهم. لا بد للمثقف من أن يحترم نفسه ويحترم عقل المتلقي والقضايا التي يتحدث أو يكتب عنها. فلم يعد للاستخفاف بالعقول مكان في هذه اللحظة. حتى لا يكتشف المتلقي أنه عريان من الثقافة الحقيقية. وحتى لا ينبت الشوك في دماغه، ويعرف الناس أنه يأكل من عرقهم بالضحك عليهم.
عرف المتلقي اليوم الثقافة بمفهومها وتعريفها. وأنها إذا افترست إنسانا فلن يجد من يشفق عليه. والثقافة لا يعنيها الأقوياء ولا الأثرياء، ولكنها تحترم وتقدر النبلاء والشرفاء والعلماء والحكماء. لأنها تهتم بظروف الأحوال التي تعيشها الأمة.
تبين من خلال المتابعات الدقيقة أن البعض من المثقفين وضع نفسه في مكان الصنم، أو كأنه حكيم عصره. وأنه أخذ سر الحياة في عقله. الكبر والتكبر والغطرسة هي عدة مثل هذا المثقف. إن للثقافة صدماتها وفجائيتها وقسوتها وطغيانها فهي لا ترحم، ولا تحب أن ترحم. فهي مثل الأم المرضعة التي يقنصها الحليب ليحرم الطفل الرضيع من ذلك الثدي الذي يغذيه، باعتباره العائل الوحيد لذلك الرضيع. ومع ذلك فيجب على الفضائيات ألا تترك مثل هذا المثقف يقوم بتنفيذ هجماته وقسوته وتكبره وغطرسته عندما يصدر الأحكام العامة على القضايا المختلفة. ولا تسمح له بأن يقوم بتشويه القضايا.
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.