في دكانه بجدة التاريخية، وبين إبداعات أنامله التي نحتت تحفا فريدة، يستعيد العم أحمد باداود وهو في عقده التاسع - ويعد أقدم صائغي الفضة في جدة- ذكرياته عن صناعة الفضة وماكيناتها القديمة والحديثة، واندثار المهنة، وأسعار الفضة قديما وحديثا، وتجهيز العرائس بعلب سكر النبات واللبة الشاويشي المرصعة بالفضة المنحوتة، وغيرها من أدوات زينة العروس.. وأخيرا يعترف بفشله في توريث أولاده المهنة التي ورثها عن آبائه.
نحت الفضة
وقال العم أحمد: تعلمت صياغة الفضة على يد أجدادي في مكة، حيث كانت تعتمد على استخدام الفانوس في التلحيم وصب الفضة في الفحم، ومن ثم تطورت مراحل صياغتها حتى وصلت إلى استخدام «دوافير القاز»، وكانت تصب فيها، ثم ننحتها يدويا لتشكل الأحزمة والخواتم والمباخر جمالا فاتنا، بحيث تلقى إقبالا كبيرا من الزبائن وتنافسا على شرائها.
رخص سعرها
وأضاف «كان كل شيء رخيصا، وإيجار المحل بـ300 ريال في السنة، وكان الصبي يشتغل بمحلنا منذ الصباح حتى أواخر الليل ويقبض 150 ريالا في الشهر، ونشتري كيلو الفضة بـ150 ريالا، والآن وصل سعره أربعة آلاف ريال، وكانت الشميلة تباع للحجاج بـ35 ريالا، بينما وصلت لأربعة آلاف حاليا، أما الأحزمة فثمنها 150 ريالا، والآن بلغت 6 آلاف ريال».
تزيين العرائس
وأشار صائغ الفضة إلى أن الإقبال على شراء الفضة قديما كان يكثرُ من سكان وادي فاطمة، خليص، ثول، رابغ، بالإضافة إلى مستورة، وذلك لتزيين المُقبلات على الزواج، حسب تقاليدهم في تزيين العرائس بها، وكان جهاز العروس يحوي ست أساور عريضة من الفضة في كل يد، بالإضافة إلى الشتوت واللبة الشاويشي، واللوح، واللبق، وبرقع الزوند، وحجول القدم، وأزارير الجنيهات، والمبخرة، وقوارير الكلونيا، والمشط، وسكر النبات.
ماكينات حديثة
وأكمل العم أحمد حديثه بصوته المبحوح «إن عيال الريس هم من أدخلوا المكائن الحديثة لصياغة الفضة بمكة في ذاك الوقت، حيث جلبوها من الدول الأجنبية، وما زالت تستخدم حتى وقتنا الحالي، وتجدّد بين فترة وأخرى».
رواج برمضان
وتابع «كانت صياغه الفضة تشهد إقبالا ورواجا كبيرا في رمضان، حيث يهتم الأهالي بمصوغاتهم وصيانتها وتنظيفها، استعدادا لاستخدامها في العيد، وكان الخواجات الأكثر شراء لمصوغات الفضة بعد أهالي الحجاز، ويقتنونها بمبالغ مرتفعة، وما زال كثير من البيوت يحتفظ بمصوغات الفضة القديمة حتى الآن».
فشل التوريث
وتأسف العم أحمد على اندثار مهنة صياغة الفضة، قائلا بلهجته الحجازية: «الصنايعية انقرضوا»، حيث تتطلب تلك المهنة وقتا طويلا لتعلمها، مضيفا «حاولت أن أدرّب أولادي على صياغتها، لكن فشلت محاولتي، لأن تلك الصنعة تحتاج حبكة وصبرا طويلا ممّن يريد أن يمارسها ويتقنها».