تعلمت من أبي ونحن صِغار أن الأدب سيد الأخلاق، وأن التربية بالقدوة وليست بالإجبار. تعلمت منه أن لا أعيب طعاماً، ولا أَستبغض مذاقاً، فالنعمةُ تزول ممن لا يقدرها. تعلمت منه أن أحترم الكبار، وأن رضا الوالدين هو بركة الحياة. تعلمت منه أن المثالية لا وجود لها، وأن أجمل الحب، هو ذاك الذي تُظهره للمخطئ أو من يستحق العقاب. تعلمت منه أنه لا فرق بين سيدٍ أو خادمٍ، فكل الناس سَواء. تعلمت منه أن أستمع لأحلام العصافير، وأبتسم لسخافتها بكل اهتمام. تعلمت منه أن إضحاك الآخرين وإدخال السرور على قلوبهم هو ما يُجمل الحياة.
تعلمت من أبي في العمل، أن أرسم على وجهي ابتسامة أستقبل بها من يقابلني وأودع بها من يغادرني، فتنفتح لي الفرص وتتيسر لي الأمور. تعلمت منه أننا نعمل لنسعى في تسهيل أمور العباد وخدمتهم، وليس فقط لنكسب المال. تعلمت منه أن كرامة الإنسان ومبادئه فوق كل مدير أو محسوبيات. تعلمت منه عدم الاكتراث للمناصب والمسميات، وأن أتواضع مهما ارتقيت وعَليت. تعلمت منه أن ضميراً مرتاحاً، ورأساً تضعه على الوسادة في دعةٍ آخر النهار، بالدنيا وما فيها. تعلمت منه أن الإدارة ليست تصيداً للأخطاء، ولكنها مسؤوليةٌ لتطوير الناس. تعلمت منه أن التوقيع عزيز، وأن أرفض كل ما يدعو للشك والارتياب. تعلمت منه أن السمعة الطيبة هي رأس مال الإنسان، والإرث الحقيقي الذي يعتز به في الحياة، ويتركه عند الممات.
تعلمت من أبي في الحياة، أننا نتغير، ونتنازل، ونتغاضى، ونُضحي من أجل الأحباب. تعلمت منه أن أتخلى عن معتقداتٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وآراء مجتمعية همها الانتقاد. تعلمتُ منه الصبر على الأذى، وأن أستميح للناس الأعذار. تعلمت منه أن العلاقات الإنسانية فوق المصالح والنزوات، وأنه أمام الحفاظ على الأخوة والرحم والصداقة تهون التنازلات، تعلمت منه أن المظاهر فارغة، وأن السعادة الحقة في البساطة، ووصلِ الفقراء.