لم تكن منطقة شبه الجزيرة العربية تختلف كثيرا عن أيام العرب الأولين قبل الجاهلية وبعد الإسلام، من حيث سيطرة القبيلة وأعرافها وقيمها على المجتمع حينها، ولشيخ القبيلة في ذلك الزمن وحتى وقت قريب سطوة كبيرة على المجتمع الصغير، وربما لاتزال هذه الأعراف تسيطر على مناح من الحياة الاجتماعية وإن تراخت حدتها.
وتقوم مهمة الشيخ على الفصل في كل قضايا النزاعات في المنطقة من قتل أو سرقة أو أي نزاع يحدث بين أهالي القبيلة، ونظرا لمكانته، فإنه ينال التبجيل والاحترام، فلا تكسر له كلمة ولا يرد له طلب، وحكمه منفذ.
وقبيل الحرب العالمية الأولى بسنوات، وفي ظل غياب المحاكم الرسمية والمراكز الرقابية في ذلك الزمان، كانت محكمة القبيلة هي المخولة بمهمة فصل النزاعات، حيث الغلبة آنذاك للقبيلة الأقوى، وللعرف القبلي قوة مضاعفة في التحكيم والحماية، هذا الواقع جسدته قصة حقيقية حدثت على قارعة حدود المنطقة الجنوبية رواها الرحالة (فليبي) كثيرا وخلدت في الكتب المؤلفة من قبله وما زالت تروى في المجالس حتى اليوم، وتحدث عنها زعماء قبائل كثر .
وبالعودة إلى أحداث القصة فإن أحد القضاة بأسفل تهامة جيء به ليحكم بين ضرتين إحداهما لم تنجب، حيث تزوج عليها فقير قبيلته لعل الله يرزقه بولد، وبعد عام من زواجه أنجبت له زوجته الثانية ولدا أسماه «شتوي»، مما أثار غضب الزوجة الأولى التي هرمت ملامحها، وأعياها قبح وجهها وأصابع يدها اليمنى المتحملة مع بعضها، حيث تمثلت مهمتها في رعاية الطفل، بينما تقوم والدته بجمع الحطب وجلب الماء، كان شرطها الذي وافقت على إثره بمشاركة أنثى تصغرها سنا وتفوقها جمالا في زوجها.
وذات يوم بينما الضرتان في المنزل وزوجهما غائب، قدم عليهما ضيف عجوز وكان منهكا، رحبتا به وأكرمتاه، وغادرت الزوجة الصغيرة للقيام بواجبها في جمع الحطب وجلب الماء كالعادة، أما الزوجة الأولى فسولت لها نفسها قتل طفل زوجها، فأقدمت على وخز رأس الطفل بشوكة، وشاهدها الضيف؛ لكنه لزم الصمت، وبعد ساعة بدأت بإطلاق العنان لصيحاتها «مات طفل زوجي وشاعره القادم»، فحضرت أم الطفل لاهثة، لتشاهد ابنها وقد فارق الحياة بين يدي شريكتها، ومن حزنها على فلذة كبدها لم تجد غير تلك الشريكة لتتهما بقتل ابنها.
حضر الزوج في اليوم التالي ليشاهد المنظر والحزن يكاد يقتله، وشرعت الزوجتان في تبادل الاتهامات، فذهبت الزوجة الأولى «قاتلة الطفل» إلى ذويها وهي تنادي «اتهمت بالباطل»، وتلبية لنداءاتها حضر إخوتها إلى زوجها غاضبين، وطالبوا بالحق القبلي، وتدخل الضيف العجوز، وقال: الشيخ ابن هذال قاضي العرب بشمال الجزيرة وهو الفيصل، ووافق الجميع، وتم تحديد آخر جمعة من الشهر للاحتكام لأمر القاضي، غادر الضيف على أن يحضر «القضوة» الشهيرة.
وعند الموعد المحدد حضر الخصمان «الضرتان»، وجلس الرجال بمجلس القاضي ابن هذال بشمال الجزيرة وتحديدا ببادية الأردن والنساء بمحرم النساء، وانقسم الرجال إلى صفين وبآخر المجلس وضع صندوق خشبي مرتفع عليه فرو ضأن.
ولما كانت القضية معقدة، ليس بها أدلة ولا براهين، بدأ القاضي ابن هذال باستجواب الزوجتين واتجه لمحرم النساء حيث أم الطفل، وقال لها: هل أنت صادقة، قالت: نعم، وما دليلك؟ قالت: هي قاتلة ابني.
قال القاضي: لك ذلك بأن نتهمها، وطلب منها رفع ثوبها إلى أعلى الساقين لتمشي بين الرجال وتجلس على الصندوق، وتظهر ساقيها أمام الجميع، فجاء ردها للقاضي: «كم أنت لعين وخفيف عقل غير مدبر ولا شهامة لك، ولو أرجعت ابني بهذه الطريقة فلا أريده، سمعتي وعشيرتي أهم من هذه القضوة».
وهنا استدعى القاضي الزوجة الثانية، وقال لها: أنت بريئة؟ قالت: نعم، فطلب منها أن تفعل مثل شريكتها، ودون تردد نفذت طلب القاضي، وهنا صاح أهلها: عار عليك أيها القاضي.
رفع القاضي ابن هذال يده، وقال: هذه قاتلة الطفل، وصاح الضيف العجوز: صدقت يا ابن هذال وصدقت أفعالك، رأيتها تغمز الطفل بالشوكة على رأسه، وانتظرت ليرى العرب حكم ابن هذال حتى يعرفوا أن الحق لن يضيع، ومنذ ذلك الزمان وحتى يومنا الحاضر، يتبادل الناس حكم الساقين وحكم ابن هذال.