في الصيف الماضي ذهبت مع بعض أهلي لزيارتها، هم يعرفونها منذ بضع سنوات حين التقوها في المستشفى، ولفت نظرهم أنه لا أحد يزورها أو يهتم لها، وطلبت منهم أن يوصلوها إلى منزلها بعد أن انتهت فترة علاجها.
.
في المنزل وجدوا أنها تعيش مع والدتها وحيدتين في منزل متهالك قديم مكون من غرفة واحدة فقط لا تقي ساكنيها برداً ولا حراً.
.
كانت تقترب من الثمانين عاماً، أما والدتها فقد كانت على مشارف المئة عام!قد يكون وضعاً طبيعياً، أو يمكن تقبله، لو أنهما كانتا مقطوعتين من شجرة، كباب غرفتهما.
.
لكن جارهما الذي يسكن في بيت كبير تبدو عليه ملامح الثراء هو ابن إحدى هاتين العجوزين، وشقيق الأخرى.
.
لم أحاول الوصول إليه أو التعرف عليه، رغم أني شعرت بالمعنى الحقيقي لمفردة »الحقد« تجاه هذا المخلوق، الذي أجد صعوبة في وصفه بأنه كائن بشري.
.
قبل عامين ماتت الأم، وتركت ابنتها العجوز وحيدة إلا من بضع زيارات متقطعة ممن يعرف قصتها، يهدونها مستلزمات »العيش« وتعلمهم مستلزمات »الحياة«.
.
سعيدة، أو هكذا تبدو، حين يحدثها زوارها عن ضرورة عمل شيء لتحسين حياتها، تعارض الأمر وتقول إنها لا تحتاج أي شيء، وتصر في كل مرة يزورها أحدهم أن تكرمه وتعد له الشاي والقهوة، رغم أنها لا تستطيع السير إلا منحنية.
.
كانت مبتسمة دائما، تعلم الناس أن الحياة أسهل من أن تُغضب إنسانا حقيقيا، وفي كل مرة يتحدث أحد بسوء عن شقيقها العاق كانت ترفض ذلك وتقول ادع له فقط.
.
في هذا الأسبوع أخبرني أخي أنه ذهب لزيارتها فوجدها ميتة في بيتها.
.
رحلت »فايزة«، وهي فعلا فائزة.
.
نحن المهزومون الذين تغضبنا تفاهات الحياة، ولا تعرف القناعة طريقها إلينا!