وصلتني رسالة عبر (الواتس اب) لا أعلم مدى صحتها، لكنها تظهر ضابطا من إدارة مرور الرياض يزعم أن نظاماً جديداً للمرور سيطبق قريباً على طرقنا السريعة (حسبما جاء في الرسالة) أُطلق عليه (البوابات الالكترونية) الهدف منه تصيد مخالفي السرعة القانونية! وأنا أضيف على ذلك أن النظام الجديد سيثقل هموم المواطن المثقل أصلاً بأعباء الحياة الكثيرة، ويحمله عبئاً جديداً! وعلى الرغم من كل هذه الهموم، إلا أن ذلك كله لم يثن المرور عن أن يخترع لنا نظاما يزيد من الضغوط العصبية والنفسية والاجتماعية التي يعاني منها المواطن!! فالنظام الذي سيحد من مشكلة السرعة الجنونية له هدف نبيل ظاهر، لكنه يبطن ويعكس تفنناً في كيفية تصيد المواطن الضعيف الذي لا حول له ولا قوة وإثقاله بهموم فوق همومه! وإنني أتساءل: هل أخذ المرور عندما أراد تطبيق هذا النظام موافقة المسؤولين في الدولة؟! أم إنها المزاجية التي تتحكم في كثير من أعماله وتصرفاته؟! إن نظام البوابة الالكترونية الذي سيقوم برصد سرعة المركبة عند مرورها من بوابة الكترونية أولى ثم تُرصد سرعة ذات المركبة عند مرورها من بوابة الكترونية ثانية، ليقوم حاسوب بترجمة تلك المعلومات، فيقيس المسافة بين البوابتين ومعدل سرعة المركبة بينهما، فيحدد الحاسوب بعدها الغرامة التي ستتدرج تصاعديا لتصل في النهاية إلى سحب الرخصة ومنع قائد المركبة (هذا المواطن المسكين) من القيادة لمدد محددة قد تصل (فيما أعتقد) إلى مدى الحياة!
وأتساءل أيضا: لماذا أخذ مرورنا يتفنن في مطاردة هذا المواطن (الغلبان) بكل هذه القوة وبكل هذا الحزم؟! هل لأن المملكة هي الدولة الأولى في العالم في نسبة الحوادث والوفيات الناجمة عن الحوادث المرورية؟! نعم نحن نعترف بذلك، لكننا دائما ما نحاسب (النتائج) ونهمل (الأسباب) المتعددة التي قد يكون من بينها سبب أو عدة أسباب أخرى دفعت هذا المواطن لأن يكون متهورا في القيادة! إن تطبيق هذا النظام قد يجبر عددا كبيرا من قائدي المركبات في المملكة على أن يكونوا عاطلين عن القيادة، لأن رخصهم تكون قد سحبت جراء هذا النظام! علما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إيقاف السرعة الزائدة (التي لا نقرها بالطبع) لكن لأن الوضع المروري وغيره من الأوضاع الاجتماعية والوظيفية والاقتصادية وغيرها تدفع بالكثيرين لأن يتخذوا من السرعة ملاذا لهم وتفريغا لهمومهم... فالوضع المروري أصبح لا يطاق في بلادنا؟! وسيسأل أحدهم: كيف؟! والجواب: لو أن أحدنا أراد أن يقود مركبته في مشوار مدته عشر دقائق (في جدة أو مكة أو الرياض) فإن هذا المشوار سيستغرق منه أضعاف أضعاف هذه المدة التي قد تصل إلى ساعة أو أكثر، وذلك بسبب الزحام الشديد وبطء حركة المرور والتحويلات التي يواجهها قائدو المركبات على الطرقات، فإذا ما وجدوا منطقة مفتوحة تجدهم يطلقون العنان لمركباتهم ضاغطين على دواسات (البنزين) ليعوضوا ما فاتهم وما ضاع من وقتهم قسرا، ويكون المتسبب في ذلك المرور والبلديات ووزارة النقل وغيرها من المؤسسات الحكومية التي أخذت تضغط على أعصاب المواطنين لدرجة أن الكثيرين يفضلون البقاء في منازلهم على أن يقودوا مركباتهم!! فأصبح قائدو المركبات بمجرد جلوسهم خلف عجلات القيادة في سياراتهم حتى يبدأ معهم مشوار الأعصاب والضغط وارتفاع السكر وتدفق الأدرنالين واضطراب الحواس وازدياد ضربات القلب، كل حسب حالته، كما تصبح الطرق ذات الثلاث حارات مكتظة بخمس أو ست حارات ممتلئة بالمركبات، هذا إذا ما أضفنا ضغوطات العمل وضعف المرتبات وقطع التيار الكهربائي وعدم توفر شبكات المياه والصرف الصحي وطفح (البيارات) وعدم توفر الرعاية الصحية في المستشفيات وغلاء الأسعار وارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات ورداءة الشوارع ورداءة الطرق وووو !!! فيأتي المرور متكرما على المواطنين ليزيد الطين بلة، فيثقل كواهلهم باستحداث نظام جديد يسحق به البقية الباقية من عقولهم وحواسهم ووضعهم!!
ومن جهة أخرى، أتساءل: لماذا ترك الألمان السرعة غير محددة على طرقاتهم السريعة المسماة بـ(الأتوبان)؟! لماذا أعطوا الحرية ليقودوا مركباتهم بسرعة 200 و260 كلم في الساعة، ولا نجد لديهم حوادث مثل ما هو موجود عندنا؟! هل لأن الألمان تبادلوا الثقة مع أنظمة المرور لديهم، بينما نجد الثقة مفقودة بين المواطن والمرور والعكس؟! أرجو من علماء الاجتماع والنفس وخبراء المرور أن يدرسوا هذه الظاهرة ويعطونا النتائج... أم لأننا أكثر تطورا وتقدما من ألمانيا التي تصنع المرسيدس وبي إم دبليو والفولكس فاجن؟!
واسمحوا لي أن أضيف شيئا يرتبط بالمرور أيضا، فمرور العاصمة المقدسة بحاجة إلى مراجعة تطبيقاته على الأرض حتى تختفي بعض المتناقضات، ومنها الحزم المتشدد في تطبيق ارتداء حزام الأمان في بداية الأمر ثم التسيب في ذلك! وأيضا عندما قام المرور بإلغاء الإشارات الضوئية في كثير من الطرقات والتقاطعات والدورانات وقفلها (بصبات اسمنتية) وتحويل السير للدورانات التالية ليستمر قائد المركبة في السير مسافات طويلة حتى يجد فتحة ليدور أو يعود منها (U Turn)!! لماذا يا مرورنا تفعل ذلك؟! بينما الحل بسيط وهو وضع إشارة ضوئية تنظم حركة المرور!. ومثال آخر لرجل المرور الذي يقف قبل الإشارة القريبة من مسجد نصير بحي الإسكان بمكة ليوقف المركبات المقبلة من طريق جدة، ليعطي حق السير لمن يأتي من الشوقية، فيحضر يوما ويغيب عشرة أيام، ويتكرر نفس الوضع أمام مصنع الكسوة بمكة، إضافة إلى قيام المرور بقفل العدادات الالكترونية الموضوعة على إشارات المرور، ليتحول النظام يدويا، يسيطر عليه رجل المرور الذي يحسب الوقت حسب مزاجه، فيجعل المركبات تتكدس على الطرقات لوقت طويل، لأن المزاج حضر وغاب التنظيم المقنن! بينما لو تركت الإشارة المرورية تعمل بطبيعتها لأعطت جميع الاتجاهات حقها من الوقت، بدون مزاجية! أما في نقاط التفتيش فحدث ولا حرج، حارة يتوقف فيها المرور تماما لوقت طويل لمحاسبة قائد مركبة دون النظر للطابور الطويل من المركبات التي تقف خلفه، بينما بقية الحارات تسير وبعضها لا يوجد بها رجال مرور أصلا! فيا مرورنا العزيز لا تثقلوا المواطن (الغلبان) المثقل بالهموم ولا تزيدوا من همومه!