قبل بدء برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، كان القطاع الخاص يتردد كثيراً في توظيف الكوادر الوطنية بحجة عدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات ومتطلبات سوق العمل، ويشترط أن تتوفر لديهم بعض المهارات مثل اللغات الأجنبية، واستخدام الحاسب الآلي. وكان وقتها آنذاك انفصام شبه كامل بين مؤسسات التعليم العالي والقطاع الخاص، أدى إلى تراكم أعداد هائلة من الخريجين العاطلين عن العمل، وارتفاع نسبة البطالة إلى مستويات تجاوزت 10%.
لكن برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي كشف عورة القطاع الخاص وأحرجه، ووضعه في مواجهة حقيقية مع الخريجين والمجتمع وصانع القرار، فلم يعد عدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات ومتطلبات سوق العمل مبرراً منطقياً ومقبولاً كما كان قبل عشر سنوات مضت، فخريجو برنامج الابتعاث الباحثون عن وظائف لديهم من المهارات ما قد يفوق احتياج القطاع الخاص، وأصبحوا محل اهتمام الشركات العالمية قبل المحلية، وارتفع الطلب عليهم مما أسهم في رفع معدل الأجور التي يجب على القطاع الخاص المحلي دفعه لاستقطابهم، وهو ما لا يتناسب مع استراتيجياته وأولوياته التي تركز على الربح المادي فقط دون النظر للفوائد الأخرى المترتبة على استقطابهم.
ورغم ذلك كله، تشير الإحصاءات التي كشف عنها رئيس ومؤسس مركز الرياض للتوظيف الدكتور طراد العمري لجريدة «الحياة» في منتصف العام الماضي، إلى أن عدد الباحثين عن عمل من خريجي برنامج الابتعاث سيصل إلى 25 ألفاً، منهم 5 آلاف سبق تخرجهم في الأعوام الماضية، و10 آلاف تخرجوا بنهاية 2013، وأن 11 ألف سعودي من خريجي البرنامج قاموا بالتسجيل في المركز، وهذه الأرقام تؤكد أن القطاع الخاص لا يرغب بتوظيف الكوادر الوطنية سواء المؤهلة أو غير المؤهلة، وأن «شعار» عدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات ومتطلبات سوق العمل الذي كان يردده بين الفينة والأخرى، ما هو إلا «أكذوبة» اختلقها للتحايل على برنامج السعودة، كشف قبحها برنامج الابتعاث.
ولذلك تشير القراءات الأولية إلى أن خطة التنمية التاسعة التي تمثل خارطة الطريق نحو التنمية المستدامة، والتي هدفت إلى خفض معدل البطالة من 10% في عام 2009 إلى نحو 5,5% بنهاية العام الجاري 2014، وخلق توفير نحو 1.223 مليون فرصة عمل، يكون نصيب العمالة الوطنية نحو 1.122 مليون فرصة بنحو 91.8% من إجمالي الفرص الوظيفية، بما يسهم في زيادة القوى العاملة الوطنية من 47.9% في عام 2010 إلى نحو 53.6% في 2014، فشلت في تحقيق أهدافها بخفض البطالة، وفتح فرص عمل جيدة، ورغم أن الإجابة على أسباب فشلها من مسؤولية وزارة الاقتصاد والتخطيط، إلا أن تردد القطاع الخاص في توظيف العمالة الوطنية، وعدم قدرته على خلق فرص عمل دائمة وذات دخل وعائد مادي جيد، تعمل على جذب الباحثين عن عمل من خريجي برنامج الابتعاث أو الجامعات السعودية سببان رئيسان في فشل خطة التنمية الحالية لا يمكن تجاهلهما، وأنه لا يرغب أن يكون شريكاً أساسياً في نجاح خطط التنمية المستدامة.
وبالتالي، فإن عليه أن يعيد بناء استراتيجيته بما يحقق التوازن والمواءمة بين أهدافه وأهداف خطط التنمية، وأن يكون شريكاً رئيساً في نجاح خطط التنمية المستدامة، وتحقيق أهدافها المتمثلة في رفع مستوى تأهيل قوة العمل الوطنية علمياً وعملياً، وتحقيق التوازن النسبي في هيكل الأجور والتوظيف، إلى جانب زيادة معدلات المشاركة في سوق العمل، ودعم فرص التمكين الاقتصادي للمرأة السعودية، وأعتقد أن ذلك ممكن شريطة أن يكون لديه رغبة أكيدة وإرادة صادقة في تحقيق ذلك، ولاسيما أنه الموظف الأول للكوادر الوطنية، وشريك أساسي في التنمية المستدامة في جميع الاقتصادات العالمية.
وفي حال استمراره في التمادي بعدم المشاركة في تحقيق أهداف خطط التنمية المستدامة، على الحكومة أن تعيد صياغة استراتيجيتها في التعامل معه من الدعم اللامحدود الذي أسهم بشكل كبير في نمو وربحية شركاته إلى الدعم المشروط بما يجبره على الالتزام بالسياسات العامة للحكومة، إلى جانب توجهها نحو دعم القطاعات التي توفر فرص العمل الدائمة ذات العائد المادي الجيد، وتشجيع رواد الأعمال الجدد، وتوفير البيئة الملائمة لنمو ونجاح أعمالهم.
برنامج الابتعاث الخارجي يكشف عورة القطاع الخاص
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
