أهمية الأشياء تنبع من الحاجة إليها، ومن الدور الذي تؤديه في حياة الناس. ومجال القانون، لا يصح أن يخلو منه تخصص ما، ولا عمل ما،
ولا اتجاه حياتي ما، وذلك لأهمية هذا الجانب للناس ولحياتهم، ولأعمالهم التي تنظمها القوانين، ولا يصح أن يبقى جمهور المخاطبين بأحكام القانون غائبين عنها. كل جوانب الحياة لها قوانينها التي تنظمها، وعلاقة الناس بهذه القوانين والنظم، علاقة سلبية في الغالب تتمثل بالرضوخ والتسليم لتنفيذها دون دراية بجوانبها وأهميتها في حياتهم ولا حتى بتداخلاتها، وما يمكن أن ينتج عن الخروج عليها دون قصد أو دراية من أضرار محتملة.
ومما لا شك فيه أن العلم بأحكام القانون يكون نتيجة لوعي ثقافي عام يعيشه المجتمع ويتفاعل به ومعه، فالثقافة لأي شعب من شعوب الأرض هي ذلك المخزون المتراكم من المعرفة والقيم والمعتقدات، والفنون والأخلاق، والقانون والعرف والعادات، ويتفق عدد كبير من المختصين على الاعتقاد بأن ثقافة أي مجتمع تتميز بالتكامل والترابط بوجود صيغة تجمعها، وفي مجتمعنا على وجه الخصوص نشهد فقرا ثقافيا في كثير من الجوانب القانونية، ولعل ما يؤكد هذا الفقر ما نشهده من هدر لقيمة الشيك كورقة تجارية تمتع بحماية قانونية خاصة.
فالشيك -كورقة تجارية- شهد تطوراً تدريجياً ومرحلياً، حتى وصل به الحال إلى أن يقوم بدور كبير في العمليات التجارية وفي تعاملات الأفراد كأداة للوفاء تغني عن استعمال النقود في المعاملات، إضافة إلى ما يتمتع به الشيك من سرعة ومرونة مما جعله أهم الأوراق التجارية وأكثرها استخداما، وقد اكتسب الشيك أهميته كأداة للوفاء نظرا لتدخل المنظم لإعطائه الحصانة اللازمة سواء من خلال النص على ضرورة أن يشتمل الشيك على بيانات معينة إن تخلف فلا يعتبر شيكا إلا في حالة خلوه من بيان مكان الوفاء أو خلوه من بيان مكان الإنشاء. يضاف إلى ذلك الحماية الجنائية التي أسبغها المنظم للشيك والتي أكسبته بدورها ثقة المتعاملين به كورقة تجارية.
ولا شك أن الجزاء الجنائي الذي نص عليه المنظم السعودي في المادة الثامنة عشرة بعد المائة من نظام الأوراق التجارية والتي جاء فيها (كل من سحب بسوء نية شيكاً لا يكون له مقابل وفاء قائم وقابل للسحب، أو يكون له مقابل وفاء أقل من قيمة الشيك، وكل من استرد بسوء نية بعد إعطاء الشيك مقابل الوفاء أو بعضه بحيث أصبح الباقي لا يفي بقيمة الشيك، أو أمر وهو سيئ النية المسحوب عليه بعدم دفع قيمته يعاقب بغرامة من مائة ريال إلى ألفي ريال وبالسجن مدة لا تقل عن خمسة عشر يوماً ولا تزيد عن ستة أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين) يعتبر خير وسيلة لحماية حامل الشيك وتوفير الثقة له، ويعد أيضا أفضل وسيلة للحفاظ على الغرض الذي أنشئ من أجله الشيك كأداة للوفاء.
مما تقدم يتضح لنا الأهمية القصوى للشيك كأداة للوفاء، ولكن ونتيجة لما يعانيه مجتمعنا من فقر ثقافي في الشأن القانوني بشكل عام وفي الشيك على وجه الخصوص، نجد أن هذه الورقة التجارية الهامة فقدت قيمتها لدى الكثير من الناس، إذ بات تحرير الشيك عند الأغلبية أسهل على أحدهم من شربة ماء، بل إن الكثير من الناس بات يتعامل بالشيك على أنه أداة لضمان الدين وليس لوفائه.
وبطبيعة الحال فإن التعاطي بالشيك على أنه أداة ضمان من شأنه أن يضع من حرره وقدمه على أساس أنه أداة ضمان في مأزق قانوني حقيقي، إذ إن البنك مجبر على الوفاء بقيمة الشيك بمجرد الاطلاع، ولا يجوز له التنصل من ذلك إلا في حالة خلو الشيك من أحد البيانات التي نص المنظم على ضرورة وجودها فيه، أو في حالة عدم وجود مقابل وفاء للشيك، وهنا يكمن المأزق القانوني، وذلك لأن من حرر هذا الشيك، إن تم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده فهو ملزم بالوفاء بقيمة الشيك ناهيك عن العقوبة الجنائية المتمثلة في السجن والغرامة، وقد تطال هذه العقوبة من قبل بالشيك كأداة ضمان مع علمه بأنه ليس له مقابل وفاء.
فهل سنشهد وعيا ثقافيا قانونيا يحفظ لهذه الورقة التجارية قيمتها؟
الشيك قيمة مهدرة!
بخيت آل غباش3 دقائق للقراءة

حجم الخط
