صديقي الإنجليزي البخيل جدا دعاني الشهر الماضي لتناول كوب من القهوة في أحد المقاهي المشهورة في لندن على حسابه الخاص. لم أصدق سمعي في البداية وتوقعت أن في الأمر شيئا ولكن غلبني جمال اللحظة والشعور بالانتصار في أن إنجليزيا يدفع عنك ولا يأخذ منك كما تعودنا منذ مئات السنين! وفعلا ما إن وصلت إلى المقهى
إلا وسرعان ما تملص من دعوته مذكرا لي أن اليوم هو الأول من أبريل وأن على كل منا أن يدفع فاتورته الخاصة. طبعا لم أستغرب بخله بقدر ما فاجأتني كذبته غير المعهودة! ثم ببرود راح يستعرض معي أطرف الكذبات التي وصلته على جواله خلال شهر أبريل!
وبغض النظر عن شهر أبريل الذي مضى بصدقه وكذبه، واستحساننا أو عدمه للعادة المشهورة عند تلك الشعوب التي لا تجد وقتا تبدده، فالحال أن بعد وقبل الأول من أبريل تحاصر الحكومات والشعوب في أوروبا وأمريكا الأكاذيب والكذابين وتفرض القوانين عليهم عقوبات قاسية، ولربما سقطت حكومة بأكملها بسبب تورطها في كذبة ما!
تذكرت كل ذلك وأنين جوالاتنا يوميا تصرخ كل صباح ومساء من عشرات الإشاعات والأكاذيب التي يتبادلها الناس ويتناقلونها بينهم دون رادع من دين أو أخلاق أو ذوق! الجميع إلا من رحم الله يشارك في التسطيح والتأليب وإشاعة التفكير الساذج بين الناس! وإذا كان شياطين أبريل يصنعون الإشاعة للبهجة والفرح مرة في العام، فإن شياطيننا يصنعون عشرات الإشاعات يوميا جهلا أو حقدا أو تنفيسا لعقد نفسية أو تنفيذا لأجنداتهم الخاصة، متوسلين ومستعينين بآية كريمة أو حديث شريف أو أي (برودكاست) يكفي فيه أن تختلق اختلاقات دينية أو علمية أو سياسية أو قراءة خاطئة أو كذبة فاضحة لتنتشر بعدها انتشار النار في الهشيم بفضل ما تيسر من تقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي بين الناس، وبفضل أنصاف المتعلمين وأنصاف الجهلة الذين يضرون أكثر مما ينفعون! ويفتون في كل شيء دون أن يقرؤوا على الأقل كتابا واحدا في حياتهم!
وإذا كان أبريل يطلق كذبة وحيدة في العام، وتكون على سبيل الدعابة والظرف لأجل صناعة البهجة والفرح في حدود القانون! فإن أصحاب مشروع الظلام والكآبة لا يكلون ولا يملون من إطلاق آلاف الشائعات المرة بيننا لاتهام الأفراد والأعراض والدخول في الذمم وهز ثقة المجتمع بنفسه وبقيادته وبأجهزته الحكومية! وتحول المتلقي نحو ثقافة هشة صنعها الواتس وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي! حتى أصبح بعضنا منفصلا عن الواقع المحيط، يعيش سجينا لتك الأخبار الكاذبة والأفكار الأحادية والمتطرفة أحيانا.
إن يوم الأول من أبريل على الأقل أرحم للنفس وأقرب للعقل من هذا السيل الكبير من الإشاعات اليومية التي تحاول أن تصنع البؤس في حياتنا وتشوه كل جميل فيها!
ولو راجع كل منا جواله لأسبوع مضى لاكتشف العجب العجاب من كم الشائعات، خاصة ونحن نعيش أجواء فيروس (كورونا) بدءا من أخبار الموتى والمرضى ومرورا بأخبار إيقاف الدراسة وليس انتهاء بحلول الطب الشعبي! وتذيل الرسائل عادة بيمين غموس تأليا وكذبا على الله وخلقه، ومما يؤسف له أن بعض متداولي الكذب هم ممن يفترض فيهم العلم والمعرفة أو على الأقل الورع من أن يكون كاذبا ليحدث فقط بما سمع! ولعل أسوأ ما تسمعه حين يخطب إمام جمعة خطبة عصماء مبعثها وموضوعها رسالة تافهة تم تداولها في الواتس أو تويتر!
وأخيرا أقول: الإشاعة يؤلفها الحاقد وينشرها الأعمى ويصدقها الغبي!