أخطأت الدول الغربية الاستعمارية عندما دمجت المكونات العراقية المتناقضة في بوتقة واحدة وفي إطار دولة واحدة ومن دون وضع أي اعتبار لإرادتها الحرة في قبول أو رفض هذا الاندماج القسري، والأدهى أنها جعلت من تناقضاتها الصارخة المختلفة وصراعاتها التاريخية المستمرة محركا أساسيا للدولة، وبرنامجها السياسي الدائم، وربما تكون قد تعمدت ذلك لكي تستمر في مشاكلها وتنشغل بنفسها في فوضى عارمة وتناحر دائم لكي تحقق مصالحها في المنطقة بشكل عام وليس في العراق فحسب، وفق قاعدتها المشهورة (فرق تسد)، وكانت في منتهى الاستهتار بالقيم الإنسانية وحقوقها الطبيعية.
وأخطأ نظام البعث العربي العراقي عندما حاول بكل الوسائل القمعية حشر تلك المكونات في دولة واحدة وإخضاعها لإرادته الشوفينية وتعامل معها بمنتهى اللا إنسانية، ففي عملية الأنفال السيئة الصيت وصل إلى ذروة وحشيته عندما قام بدفن 182 ألف كردي وهم أحياء، وكذلك قصف مدينة «حلبجة» بالأسلحة الكيمياوية وهدم أربعة آلاف قرية على رؤوس أصحابها فقط لكي يجبرهم على الولاء للدولة أو الوطن بمفهومه القومي الشوفيني المدمر، الذي يريدون فرضه على الآخرين، بحجة تعزيز هيبة الدولة والحفاظ على سلامة الوحدة الوطنية، وهذا مستحيل، فلا يمكن فرض الوطنية بمفهومها العنصري العربي على الأكراد مثلا الذين يختلف تكوينهم الحضاري والفكري واللغوي والجغرافي عن التكوين الحضاري للعرب، ماذا تعني الشعارات التي يدعو إليها العروبيون حول الوحدة العربية والأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة للأكراد الذين لا يعرف القسم الأكبر منهم اللغة العربية، وما علاقتهم بهذه الدعوات الغريبة التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟ ولا تمت إلى مجتمعاتهم بصلة، وقد تكون طروحات العروبيين القومية مفهومة وواضحة لدى العرب، ولكنها ليست كذلك بالنسبة للشعب الكردي، فكيف يرفع العروبيون شعار الحرية والاستقلال والوحدة لأراضيهم المجزأة وأمتهم المقسمة، ويعتبرونه عملا قوميا بطوليا ونضالا سياسيا مشروعا، بينما يحرمون على الأكراد رفع نفس الشعارات ويلاحقونهم ويعاقبونهم عليها ويوصمونهم بالمتمردين والانفصاليين؟ وإزاء رفض الأكراد المستمر لطروحات الأنظمة الحاكمة الوطنية الزائفة غير المفهومة وغير المقبولة في العراق، وممارسة هذه الأنظمة للقوة المفرطة في فرض هذه الطروحات، بدل لجوئها إلى الحوار معهم ونشر الوعي الوطني الحقيقي بينهم، دفعوا أثمانا باهظة وعرضوا وجودهم للخطر.
وعندما سقط الفكر العروبي الشمولي بسقوط نظام البعث عام 2003، ظهر فكر جديد قائم على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام خصوصية المكونات العراقية وإعطاء الحريات الكاملة لها بما يتوافق مع مبادئ دستور البلاد التي سمحت لكل مكون بإنشاء إقليمه الخاص بعيدا عن تحكمات الحكومة المركزية، ولكن يبدو أن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن العراقيين، ولم يطبق الدستور وظلت مبادئه الجميلة حبيسة في طياته ولم تخرج إلى حيز التطبيق لحد الآن، وبالمقابل بدأت الشعارات السابقة عن «العراق الواحد الموحد» و»الحكومة المركزية القوية» و»الوحدة الوطنية» التي كانت وراء تدمير العراق، بالظهور، وظهر زعماء يرفضون خصوصية المكونات ويدعون إلى حكم مركزي قوي ويرفضون الفدرالية ويعتبرونها تقسيما للعراق وعلى وجه الخصوص نوري المالكي الذي سار على نفس خطى صدام حسين وحاول منذ أول يوم من حكمه استعادة نظام الحزب الواحد «القائد» والإدارة الواحدة والجيش الواحد والسلطة المركزية القوية وقاوم فكرة إنشاء الأقاليم التي دعا إليها المكون السني واعتبرها انفصالا عن الدولة وخيانة للوطن، وراح يشق الصف الوطني ويبعد الشركاء السياسيين الأساسيين عن العملية السياسية في البلد، ويقف بالمرصاد للمعارضين لسياساته، يعادي المكون السني ويواجه مطالبه المشروعة بالمدافع والصواريخ ويغزو مدنه، ويؤزم علاقاته مع الأكراد ويتصدى لمطالبهم الدستورية بنفس حجج سلفه السابق وأعذاره الواهية في الحفاظ على العراق من التقسيم، سيبقى العراق مسرحا للأزمات والقلاقل في المنطقة ولن تهدأ له حال ولن يقر له قرار ما دامت العدالة بين مكوناته الأساسية مفقودة، والتوازن بينها غير موجود، وفكرة أن العراق للكل يجب أن تطبق عمليا من دون استئثار أحد المكونات بالحكم وفرض هيمنته على المكونات الأخرى، ويجب ألا ينظر إلى العراق كمجتمع واحد بل مجتمعات (المجتمع السني والمجتمع الشيعي والمجتمع الكردي) ولا كشعب واحد، بل شعوب، ولكل مجتمع أو شعب خصوصيته التي يجب أن تحافظ الحكومة عليها وتحترمها ولا تنتهكها تحت أي ذريعة، وهذا مدخل أساسي لعراق متعافى خال من الصراعات والتناحرات والأزمات التي لا تنتهي.

[email protected]