لو اجتمعت الأمم كلها على صعيد واحد، ودارت أحاديث بينها، فما نوع الحديث المُرتجى في هذه الحال؟
لا حديث سيدور بينها سوى الاعتزاز بذاتها، والترويج لمنجزاتها الحضارية! إذ ستظل كل أمة مهتمة بالتعريف بحضارتها، مع اعتزاز بالمنجز، وابتهاج به، وسيتضمن الأمر دعوة الآخرين للزيارة والاطلاع على ما لديها، ومن ثمّ التثاقف الذي تطمح إليه الأمم، في عصر العولمة وما بعدها الذي تتحدد خطوطه في تكتل العالم في سياساته واقتصاده، تتحدد خيارات الثقافات المهيمنة والثقافات المهيمن عليها، وتتحقق سطوة الثقافات انعكاسًا لدور الأمم في ترويج منجزها.
لذا كان الهدف من هذا الموضوع هو الحديث عن ثقافة (السعودية) بوصفها المؤسسة الناقلة؛ الخطوط الجوية السعودية، لا السعودية الوطن، إذ إن هذه الشركة العملاقة نافذة مهمة للإطلال على الآخرين يمكن أن تستغل، وتستحق أن يُناط بها الدور الثقافي الملائم، وإذا كانت الخطوط السعودية تحرص على تطوير إمكاناتها وتحديث أسطولها، فإن دورها الثقافي لا يزال غائبًا، وغير فاعل، بل يمكن أن ينظر إليه بوصفه مهمٍّشا ثقافتنا المحليّة فضلًا عن العربية. إذا استثنينا توزيعها لأعداد من الصحف اليومية على رحلاتها، أما قنواتها المرئية وإصدارها الشهريّ فأراه بعيدًا كل البعد عن هذا الدور الوطني المهم. وأعني بهذا البرامج التي تقدم على شاشاتها ووسائلها الإعلامية، ولاسيما مجلتها الشهيرة: «أهلا وسهلا»، التي تجتهد في تقديم معلومات مكررة لا تجلب اهتمام القارئ، أو باردة أكثر من برودة الأماكن السياحية التي تروج لها، مثل قارة أنتاركتيكا القطبية المتجمدة، كما يتجلى في عددها الأخير، ولو كانت موضوعاتها فاعلة ودافئة لابتهجت برؤية أحد ركاب رحلاتها يتفضل بحملها خارج الطائرة بعد انتهاء رحلته. إذ إن ما يعرض في تلك القنوات الإعلامية لا يمثل السعودية الوطن
ولا ينتمي إلى السعودية الثقافة، ولا يروج للسياحة في السعودية،
ولا يتفاعل مع ما حولنا عربيًا.
تكون السياحة الداخلية جزءًا من هذا الدور التنشيطي الثقافي الذي ينبغي أن تمارسه السعودية ويتمثل ذلك في تخصيص نسب يظل نصيب الأسد منها للبعد المحلي، ثم نسبة أقل للبعد القومي العربي، ثم تخصص أقل النسب للبعد العالمي، ولعل هذا يكسر ما هو سائد حاليًا، فلا أظن من المناسب أن يتعرف الراكب على قصر في كوريا الشمالية، وهو لا يعرف قصورًا في أرجاء الوطن كالحجاز، أو نجد، أو الجنوب، أو الشمال لأن عدم معرفته بالأولى لا يبرر جهله بالأخرى، مع ملاحظة أن الراكب الذي تخاطبه السعودية اليوم مختلف تمامًا عن راكب تود إغراءه بحزم حقائبه إلى القطب المتجمد الجنوبي .
إن من أبسط الحقوق أن تحدث ضيوفك مهما تنوعوا واختلفت مشاربهم ومستوى معرفتهم بثقافتك أن تعرفهم بوعيك، وما لديك من منجزات حضارية وسياحية تستحق الزيارة، لا أن تعرفهم بما لدى الآخرين، وكأن في هذا ترويج لما هو مروج له أصلًا، ولا يحتاج إلى مزيد من التعريف، ولو كان الأمر كذلك لأصبحت خطوط الطيران الدولية تتنافس في التعريف بعجائب الدنيا السبع التي يتردد ذكرها على المسامع وتنمو مشاهداتها على الأبصار.
ثقافة (السعودية)
معجب العدواني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
