كثيرون هم الذين يتحدثون عن الدروس التي تعلموها من الحياة، ومنهم من كتب الدروس التي تعلمها من الحياة وقال: هكذا علمتني الحياة.
وكأنها أصبحت الوصية الكبرى والنصيحة المقدسة التي يسديها الآباء والأمهات لأبنائهم، ويورّثها المعلمون والمعلمات لطلابهم! وأحيانا تكون هي المهرب من الإجابة على أسئلة كبرى يفرضها إيقاع الحياة، ليقال لك إن الحياة تعلمنا.
لست ممن يقاوم أن الحياة تعلم الناس، وأن الحياة لها دروسها.
ولكن الذي أريد الوصول إليه هو أن الحياة كما يقول أحد الحكماء: مدرس صارم، يجري الاختبار ثم يطرح الأسئلة! ونحن بين خيارين: أن نتعلم للحياة، أو أن ننتظر حتى تُعلمنا الحياة! إن التحول الذي يجب أن يحدثه الوعي هو: أن نتعلم الحياة، وأن نتعلم للحياة.
وأول ما نبدأ به هو التحول إلى تكثيف التصور وتحريك المشاعر إلى شيء يحدث، وليس ضد شيء يحدث.
أي إننا مدعوون إلى تعليم الإبداع الخيالي وفن التصور، بدل تركيزنا على قواعد الإقناع العقلاني الذي أورث لنا كائنات صلبة ذات أصنام فكرية تقاتل دونها وتحول التجمع البشري إلى (معي أو ضدي) تبدأ من صناعة القائد!! الذي لا يلبث أن يكون هو المُقاتل! هذا الجفاف يمكن ألا يكون لو أن الذوق وفن الوجدان وإبداع الخيال كانت هي منهج التربية والتعليم، وهو ما أرجو أن نتحول إليه.
أما إذا اختار الإنسان طريقه أن يتعلم من الحياة، فإنه سوف يتعلم ولا شك، ولكنه سوف يتعرض لعدد من التوقفات في مسيرة حياته، وأولها: فقدان حالة الاختيار، أي فقدان الحرية، وعند هذا الفقد تُغرس بذرة الألم التي تسقيها تلك الدروس.
وهي تتمرحل في نموها داخل هذا الإنسان من البذرة إلى الكتلة، وهي فيما بعد التي تتولى قيادته!! إن جوهر الإنسان في حريته واختياره، وحين يفقد هذا الجوهر فليس يبقى منه إلا ما يؤدي به دور الضحية في الحياة التي تحولت إلى حالة من الألم نتيجة للدرس المؤلم الذي تلقاه الإنسان من حياته! والأمر الثاني: خلق ثقافة يائسة باتجاه الحياة، حين ينتظر الإنسان دروس الحياة الماضية، وهو بذلك يمثل دور الضحية فيها.
فلا يستطيع الحضور في اللحظة والانطلاق من (الآن) لأنه مأسور بالماضي ومُثقل بأفكاره.
فماذا تعني الحياة بالنسبة له غير الألم، وأي حديث عن الأمل واللذة والحب والجمال والسلام فهو لا يعني بالنسبة له إلا أغنية للتسلية ليس إلا! والأمر الثالث: أن في هذه الطريقة من التعلم إشغالا للإنسان عن الأسئلة الكبرى في الحياة، والتي تحدد له الدور المركزي لوجوده، وهي: سؤال من يكون؟ وسؤال لماذا يكون؟ والتي من خلالها يستطيع أن يفهم كينونته، ويحدد هويته، ويصنع ماهيته ويتعرف على دوره ومسؤوليته في كل مرحلة من مراحل الحياة.
وهذه الأسئلة قد تعرضت للغياب عند كثير من الناس، وهو ما عرض حياتهم للإجهاد والمشقة والاستهلاك.
وعودة هذه الأسئلة إلى حياة الإنسان سوف تلغي عنه كثيراً من الوهم، وتخفي كثيراً من الشعارات الزائفة التي كانت تستهلكه.
وهذا يعني دخوله إلى حياة متجددة تلقائياً وسوف يكون دوره فيها المشاركة والفاعلية، وعند ذلك لن يكون سعيه من أجل تحقيق أهداف ما في حياته، وإنما سوف يسعى لتحقق وتقدير حياته لأنها كلها هدف.
وفي الختام تأكد أن ‏الإيقاع السريع للحياة اليوم، يجعل الإنسان أمام مسؤولية ذاتية تعتمد التلقائية والمرونة التي تحقق له حضور الحياة واستشرافها.
و‏تأكد أن حركتك البطيئة أو المعقدة لا تتيح لك فهم الحياة بروح العصر.
وقد اتخذت الحياة اليوم قرارها بالسرعة والتقارب، ومن لم تكن له روح العصر كانت له شروره.