يتنقل الأبناء الستة لأحمد ورقية الخطيب بين منزلي أبويهم على مدار الأسبوع، حيث يقضون بعض الوقت بصحبة والدتهم بالقدس والبعض الآخر مع والدهم في الضفة الغربية.
حالتهم ليست مجرد حكاية أخرى من حكايات الأسر التي فككها الطلاق.
فالقيود الإسرائيلية على حركة الفلسطينيين في القدس الشرقية، بما في ذلك جدار اسمنتي عازل شاهق الارتفاع، تفصل بين الأسر والأحياء الفلسطينية ومنها عائلة الخطيب.
منزلا الأبوين الفلسطينيين، لا يفصلهما سوى أقل من كيلو مترين فقط، لكن كل واحد منهما يقع في الجانب المعاكس من الجدار العازل.
رقية والأطفال يحملون تصاريح إسرائيلية تمكنهم من الوصول لمنزل القدس عبر إحدى نقاط التفتيش بالجدار، لكن إسرائيل تحظر دخول زوجها لدواع أمنية.
وقال أحمد الخطيب، ذو الـ 45 عاما “لا نستطيع أن نعيش الحياة التي نريدها كعائلة.
إنها ليست حياة طبيعية”.
ويقول المحامي الإسرائيلي الخبير في شؤون القدس، دانييل سيديمان، “القدس تحولت لبركان يغلي، وفي لحظة ما سينفجر”، فيما تعد إسرائيل تلك القيود لازمة لمنع المسلحين الذين استهدفوا الإسرائيليين في القدس إبان انتفاضة فلسطينية قبل 10 أعوام.
وتبدأ حكاية آل الخطيب في قرية حزما بالضفة الغربية والقريبة من القدس، فقد أقدمت إسرائيل بعد احتلال القدس الشرقية في 1967، على توسيع حدود المدينة في الضفة الغربية واستولت على أراض من أكثر من 12 قرية، بينها حزما.
ثم قامت بضم القدس الموسعة لتصبح عاصمتها، في خطوة لا تعترف بها معظم بلدان العالم.
ونشأ أحمد في حزما، بينما قضت رقية طفولتها في منزل أقامته العائلة في القدس.
وتقول كفاية، والدة رقية (78 عاما) عن محيط منزلها في القدس “كانت منطقة مهجورة”.
لكن ذلك تغير في ثمانينيات القرن الماضي، عندما بدأت إسرائيل في بناء أحياء كبيرة لليهود على أراض احتلتها لتعزيز قبضتها على القدس الشرقية.
وتمتد بيسغات زئيف، وهي مستوطنة يسكنها 50 ألف شخص، بجوار منزل عائلة الخطيب، وإجمالا تجاوز تعداد سكان القدس 800 ألف نسمة، بينهم نحو 300 ألف فلسطيني.
في هذه الأثناء، دخل أحمد السجن عام 1986 في سن الـ 17 لإصابته جنديين إسرائيليين بهجوم نفذته فتح، وخرج عام 1998، بعدما خففت مدة محكوميته.
وتزوج برقية وأنجب الاثنان 6 أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين إلى 15 عاما.
العائلة عاشت في حزما، لكن الحاجة استدعت أيضا توجه رقية لمنزل القدس لرعاية شقيقتين مقعدتين.
الوصول للقدس تحول لمشكلة بعدما بدأت إسرائيل في بناء جدارها العازل بالضفة الغربية عام 2002.
وفي القدس، يتبع الجدار عادة الحدود البلدية لحقبة ما بعد 1967، لكن في أحيان يتوغل داخل الضفة الغربية ليضم مساحات مفتوحة للجانب الإسرائيلي تاركا 60 ألف فلسطيني من سكان المدينة بجانب الضفة الغربية.
ويقول الفلسطينيون إن الجدار هو بمثابة استيلاء على الأراضي، بل إن مسؤولين إسرائيليين يعترفون بأن الأمن لم يكن الاعتبار الوحيد عند رسم مساره.
ويحمل آل خطيب هويات الضفة الغربية ما يستدعي تقدمهم بطلب للسلطات الإسرائيلية للحصول على تصريح لدخول القدس.
وقال الخطيب إنه حتى نهاية 2008، كان بإمكانه وعائلته المرور عبر نقطة تفتيش في حزمة من خلال تنسيق غير رسمي مع الجنود في نقطة التفتيش.
لكن بعد ذلك التاريخ شددت الإجراءات الأمنية وأصبح أفراد العائلة مطالبين بالحصول على تصاريح.
وبينما وافقت السلطات الإسرائيلية على منح تلك التصاريح لأبناء العائلة، رفضت منحها للخطيب لدواع أمنية تستند لسجنه.
“الأمن مجرد ذريعة”، هكذا يقول الخطيب الذي يحاول رفع الحظر عنه أمام محكمة إسرائيلية.
وأكدت الإدارة المدنية الإسرائيلية التي تصدر تصاريح الدخول للفلسطينيين وجود هذه القيود على الخطيب.
رغم تلك الصعوبات، يريد الخطيب أن تحافظ زوجته وأطفالهما على التواجد بالقدس، خشية أن يعرض غيابهم الطويل المنزل إلى خطر المصادرة من قبل السلطات.
ونتيجة لذلك تقضي العائلة معظم فترات الأسبوع مشتتة بين منزلي القدس والضفة الغربية.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، فإن نحو 500 فلسطيني يحملون هويات الضفة الغربية تقطعت بهم السبل في القدس في حالات مشابهة لحالة آل الخطيب.
ويستطيع البعض العبور من أقرب نقاط التفتيش بالجدار من خلال ترتيب غير رسمي مع إسرائيل أو بتصاريح موقتة، بينما لا يحظى آخرون بأي ترتيبات خاصة ويلازمون منازلهم خشية التعرض للاعتقال، بحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عام 2013.
وقالت الإدارة المدنية الإسرائيلية إن معظم هذه المجموعة تحمل تصاريح، لكن البعض تسلل إلى المدينة رغم عدم أهليته لدخولها.
وقال سيديمان، خبير القدس، إن الحدود العشوائية للمدينة أفسدت حياة الآلاف من الفلسطينيين، وأضاف “كل هذا نتيجة رسم إسرائيل خطا وهميا ليس له علاقة واقعية بين 1967 وسنوات الألفية الجديدة، وتحويله إلى حدود مادية صعبة”.