أن تأتي متأخراً دائماً وأبداً خيرٌ من أن تأتي فقط..
فبعد خمسمئة عامٍ ميلادي وألف عام هجري اكتشفنا اختراعاً اسمه البريد، يمكن أن تصل الخدمة بواسطته إلى المواااااطٍ حيثما كان، ولكن لأن وزارة الإسكان لم تتمكن بعد من تحديد عنوان إقامة دائمٍ له، فلا بأس أن يزيد الموااااطٍ صبره حبةً، ويراجع هو بنفسه مكاتب البريد!
وماذا فعلنا إذن غير أن فتحنا فروعاً لأقسام الصادر والوارد في مكاتب البريد؟ وخففنا الزحمة هناك وزدناها أضعافاً مضاعفة هنا! وبدل أن نخفض عدد موظفي البطالة (المتبرِّجة) زدنا عبء موظفي البريد، حيث أصبحوا في وجه المدفع مضطرين إلى شرح نواقص الملف العلاَّقي الأخضر وإكمال الطلبات، وتلقي الشتائم والأصوات الساخطة نيابة عن موظفي: (بسرعة الفول لا يبرد يا شباب)!
ويشرِّفنا أن نتقدم باسمهمهُنَّ (نعم هناك موظفات بريدات نساءات) باقتراح صرف بدل فوطة (منشفة) نظير ما يلاقونه من بعض المراجعين المقهورين، حين لا يجدون متنفَّساً إلا هؤلاء الشباب الذين يُشهد لهمهُنَّ بالنشاط والتعامل الراقي رغم قلة العدد وتزايد الأعباء!
وإذن: فلم نصلح الجهات البيروقراطية ولم نطوِّر إجراءاتها وإنما أفسدنا البريد و(بَقْرَطْنَاه) بقرطةً لا هوادة فيها وصلت إلى عبارات: راجعنا بكرة.. لا لا .. الصباح زحمة.. تعال الساعة (2) وأبشر بسعدك! وما أدراك ما الساعة (2) في ظهيرة الرياض الموقدة أو رطوبة جدة الخانقة؟
وأصبح فيتامين (واو) ضرورةً قصوى لمجرد استلام رسالةٍ في وقتها!
والعجيب أن المظاهر أيضاً تلعب دوراً مهمّاً في سرعة وصول الرسالة، فحين يأتيك (طردٌ) من مسؤول كبير، يتصلون هم بك ويوصلون الرسالة في المكان والزمان الذي تحدده أنت!
أما لو جاءك ظرف مطبوعات ـ مثلاً ـ من نادٍ أدبيٍ ما، في مدينة منورةٍ ما، فلا تدري إلا بعد أسبوعين ومن المُرسل، ليس منهم، أن الرسالة أعيدت لعدم ردك على (مس كول) غمزوك بها عن (الشرهة)!!