إن التحدي القائم اليوم أكثر من ذي قبل أمام الفرقاء السياسيين والاجتماعيين في العالم الإسلامي ليكمن أساسا في التنافس البناء على ترقية ثقافة الحكمة والتحضر وتمنيعها، وبالتالي على فك كل ارتباط بالخطابات التنابذية الدميمة وبالأفعال العدمية العنيفة. وإذا كانت الجزائر مثلا حتى أيامنا هاته ما زالت دون تحقيق هذه الغاية، فلأنها بعدَ أن فكك شخصيتها الثقافية ليل الاستعمار المديد وأعطبها، لم تقدر على تضميد جراحها وبرئها طوال العقود الخمسة وزيادة المتعاقبة على استقلالها. وهذا ما دفع بالجزائريين إلى الطعن في المادة الخامسة من قانون فبراير 2005، التي تسجل للاستعمار الفرنسي دوره الإيجابي، وصادق عليها البرلمان بغرفتيه، فلم تسحب إلا بتدخل من الرئيس جاك شيراك مستندا إلى المجلس الدستوري؛ وبعد ذلك أتت تصريحات قوية للرئيس بوتفليقة، منها حول تعليق التوقيع على معاهدة الصداقة الفرنسية – الجزائرية، ومنها اعتباره الاستعمار الفرنسي حركة إبادة جماعية ضد هوية الجزائر وثقافتها...
في المغرب الذي عرف كتونس ماضيا استعماريا أقل هولا وعنفا، وتلقى بالتالي شروخا في شخصيته الهويتية أقل خطورة وغورا مما كان عليه الأمر في الجزائر، يظهر، حسب الدراسات والأبحاث المتخصصة، أن الحركات الأصولية، وقد نشأت خلال السبعينيات، تتجه في مجملها نحو مواقف توافقية، مقدمة الدعوة إلى تخليق المجتمع والحياة السياسية. ويحسن بالطبع استقبال توجهها هذا إيجابيا شريطة تخليها المعلن والفعلي عن خوصصة الدين واستغلاله، وشريطة عملها في إطار المشروعية والسلم الاجتماعي، وذلك كيما يتسنى تمكينها من الاندماج الديمقراطي في المجتمع المدني وحتى السياسي، كما هو الحال اليوم في البلدين المذكورين. وهذا يفترض قبليا أن الديمقراطية، كتعاقد ومؤسسة، قد اكتسبت مقومات واقع وظيفي، ملزم ومعاش. وهذه الديمقراطية بدورها لا يمكنها أن تؤدي عملها الإدماجي السلمي كاملا إلا باستنادها إلى قطب الرحى في كل تطور، ألا وهو النمو الاقتصادي المتواتر ذو الثمرات الحسنة النشر والتوزيع.
ثقافة الحكمة
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
