كان النخيل عنصراً أصيلاً في بيئتها، ومكوناً لازماً لافتاً لهويتها، نصَّ عليه موروثها التاريخي والديني والثقافي، وعُرفت به وعُرف بها، وفق ما ورد في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: (رأيتُ في المنام أنّي أُهاجر من مكة إلى أرض بها نخل). فتميزت به دون غيرها، وكأنه لم يكن فيها، ما يميزها سواه، قبل أن تطأها أقدام النبي صلى الله عليه وسلم الطاهرة. وبعد الهجرة دخل النخيل، أُسَّاً في تكوين وتشييد البيت والمسجد النبويين الطاهرين، وعلى جذع نخلة كان يتكئ صلى الله عليه وسلم في خُطبه، حتى كانت حكاية الجذع الذي بكى لفراق اليد الكريمة حنيناً إليها، فكان ذلك أول مظاهر أنسنة مكوناتها وروحنتها. وحتى وقت قريب ومنذ ما يقارب العقد من الزمن، كان النخيل من أبهى مظاهر المدينة. ومن نخيلها ما تعود سلالته إلى شرف غرس النبي صلى الله عليه سلم لأصوله الأولى منذ ألف وأربعمائة وثلاثين عاما. وتميزت زراعياً بأصناف من النخيل لا توجد إلا بها. وفي عجوتها المباركة ورد الحديث النبوي الشريف، وحول نخيلها بعامة، تُتوراث وتَتوارد الحكايات والقصص، يصل بعضها في تفاصيل تكوينه النصي وأثره الدلالي؛ إلى الأساطير والموروثات الثقافية ذات القيمة الفنية الكبيرة. ومن ثم، فعلاقة النخيل بالإنسان والمكان في المدينة المنورة، ليست اعتياداً -فقط- راكمه الزمن، واقتضته الحاجة المعيشية الصرفة، كما هو شأن النخيل في غيرها. وليس محض موروث تتعاهده الأجيال، وإن كان نخيلها من مفردات قصائد الشعراء المدنيين منذ القدم؛ إشارة وصراحة في وصف المكان بإحدى عناصره الأصيلة، وشياته الراسخة في ذاكرة الإنسان. وبداهة صار تمييز جغرافية المدينة في المصورات والخرائط، عبر تلك الكتل المساحية والفضاءات البصرية المكتنزة اخضراراً يبشر بالسلام، ويشي بالمكان.
كل ذلك الزخم من المواريث المعتبرة في المعرفة والمتن الاجتماعي والثقافي والحياة، لم يصمد في وجه إرادة لا تفتر مظاهرها الفعلية من ذبح النخيل المدني واجتثاثه؛ عبر مساحات تتوسط المدينة، وتحتل ضواحيها؛ وليس لتلك الإرادة من همٍّ، سوى ذبح هذا الكائن، أو حرقه، ولذلك دواعٍ يرى القائمون به وجاهتها؛ فذبح النخيل وطمس معالمه، يحوِّل أمكنته وساحاته ومعاطنه إلى مخططات وكائنات إسمنتية وتكتلات سكنية، وأخرى استثمارية، أسواق ومجمعات تجارية، تدر الملايين.
...وألا ليت النخيل قاتله يراه.. ليعلم القاتل أنه تجاوز نصاً نبوياً ينهى عن قطع نخيل المدينة، لم يجد هواة سد الذرائع، مصلحة في إقرار مقتضياته، أو حمل الناس على ما يرونه مصلحة يصونونها، أو منفعة يذودون عنها. ولأن ذلك ليس كذلك، فقد ضاع دم النخيل بين المستثمرين والمطورين الجدد. ولست أعرف سبباً لتلازم التطوير في هذه المدينة بهدم معالمها التاريخية، والمعمارية التقليدية واجتثاث نخيلها، أو تفريغها من معالم تعكس المراحل الحضارية التي مرت بها. ففي كل المدن الحضارية في العالم، توائم رؤى المخططين الهندسيين والمعماريين بين القديم وقيمته التراثية، وبين موجبات العصرنة والتطوير، وتحديث البنى والمرافق التي تتطلبها كل مرحلة، ويحتاجها الناس؛ موجبات لا تتوقف شروطها على قدرات مهندس أو استشاري تفنن برسم الحدود والمساحات والامتدادات، وتقدير حجم الحديد والخرسانة، وواجهات المباني، والخامات المستخدمة في التشييد وجودتها، وأنواعها.. بل لا بد أن يعي إرث المكان وقيمته وخصوصيته الحضارية، ومكوناته التقليدية، وموروثه المعماري، وأن يملك رؤية تعي أهمية ذلك الموروث، وأن يسعى إلى غايات، ليس المال مناطها الأوحد، ومنتهى ما تسعى إلى تحصيله . فثمة أشياء ومتطلبات يبحث عنها من يزور المدينة - غير السكن المريح، والإضاءة الساطعة، والأرصفة الملونة، والفنادق والأسواق - كان النخيل ولسوء حظه منها. وكم نتمنى ألا تفقد المدينة، مزيداً من تراثها المعماري والآثاري والطبيعي، وألا يختل سياق نموها فتتجدد كل عام بهيئة منقطعة الصلة بسابقتها، ويستمر هذا التجدد والحفر والبناء والتشييد بشكل لا تُستبان معه معالمه النهائية، بحيث لا تكاد تبصر شيئاً من معالم وشواهد تحدَّث عنها آخر كتاب صدر عن تلك المعالم. حتى كان نخيلها آخر الراحلين إلى العدم، ولم يكن له اختيار في أن تُصادر حياته بلا ثمن وبلا معنى، سوى أن تُقام على أنقاضه بناية ، كان لها فسحة ومتسع في أماكن أخرى.
آخر الراحلين كان.. ذلك الكائن الأليف الشامخ العريق الفتَّان، دون أن يتحمل أحدٌ جريرة إبادته الممنهجة، ودون أن تُعتبر قيمته كجزء من ذاكرة وسيرة المكان.
مدينة النخيل
محمد الدبيسي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
