كل حراك في مجتمعنا يأتي على مهل وحذر وتوجس، نقضي وقتا طويلا في التفكير بالخطوة التالية، نتخيّلها الخطوة الأخيرة، ثم نُطلق لخيالنا العنان في هذا الاتجاه فقط، أنها الخطوة التي تسبق الهاوية، لكننا لا نخطوها بل ننشغل بالهاوية ذاتها نتخيلها بعمقها السحيق، وعن التفكير بالأشياء التي تطرأ على بالك وأنت متجه تهوي، هل ستموت بعد أن تخترق حاجز الصوت أم تكون آخر نظرة لك للعالم هي لحظة الارتطام في الصخور أسفل الهاوية، لم نتخيل على الأقل أن الخطوة القادمة هي مجرد خطوة للأمام ناهيك أن نتخيل أن الخطوة ستكون للوصول للهدف الحلم الكائن على ضفاف النهر!
لذلك نحن متوجسون من أفكارنا، رغم ثقتنا بالأفكار التي نحمل لكننا
لا نثق بنوايا الأفكار ذاتها، فالفكرة عندنا تستلزم أجيالاً كي تصل - مجرد وصول- فالجيل الأول يبقي الفكرة مجرد هاجس بينه وبين نفسه، قبل أن يأتي جيل السلف الأكثر جرأة، فيصدع بالفكرة ذاتها في المجالس الخاصة، فتواجه بهمهمات حذرة متوجسة لا تعني الرفض أو التأييد، أو بشكل أوضح هي لا تعني شيئا على الإطلاق، ثم يأتي جيل يعتقد أيضاً أنه الأكثر جرأة ومجازفة، فيشيع الفكرة من خلال الإعلام على هيئة إيماءات وتورية، ربما خوفاً من أن يوصم بالدعوة إلى التهلكة، كون الفكرة في الذهن الجمعي هي الخطوة الأخيرة نحو الهاوية (التهلكة)، ثم يأتي الجيل الذي يعتقد أنه تجاوز الجرأة وولج أوسع أبواب التهور، فيطرح الفكرة بمباشرة ووضوح، فيكتشف الجميع أن الخطوة بالفعل ليست الأخيرة، فتبدأ الفكرة تبهت وتفقد بريقها الذي صنعه الغموض حولها، ورغم ذلك يدخل على الخط ما يُسمون جدلاً بالنُّخب أو موجهي الرأي العام، فيتحمسون لها مدفوعين بهوس النجومية ودور البطل في عين رجل الشارع البسيط.
في الجهة الأخرى تبدأ الجهات الرسمية بتجاهل الفكرة أولاً، ثم في المرحلة الثانية بالتشكيك بنوايا الفكرة ذاتها، حيث تُخلق جبهة جديدة بين المعارض والمؤيد، وتمر السنين ويستمر الجدل وتتبدل الكثير من الأدوار، حتى يتفق الجميع على أن المحكّ الحقيقي لنجاح أي فكرة هو تطبيقها عملياً على أرض الواقع، فتعقد اللجان وتعمّر حتى تُرزق بلجان فرعية تتفرع هي الأٌخرى لقبائل شتّى ربما لا يعرف بعضها بعضاً، وبعد أن يتم تخليصها (وليس تلخيصها) من كل ما قد يفتح أبواباً للتأويل ودرء المفاسد تُعاد بشكلها الجديد ليتأكد الجميع من أناقتها ورشاقتها كي يُسمح لها بالمرور، وقتها يكتشف الجميع أنها مجرد خطوة (عادية) للأمام كانت ستصبح نافعة لو أنها أتت في وقتها، لكنها تحولت لخيبة أمل عظيمة عندما تم اكتشاف تأخرها، ولأن خطوة واحد استلزمت أجيالاً كي (تنضج) فإن الخطوة التي تليها ستمر في نفس المراحل إذ يعتقد الجيل الجديد أن فكرة الجيل السابق كانت عادية جداً ولا تستحق كل ذلك التوقف والنقاش، ويعتبر فكرته الجديدة هي المتقدمة جداً، ويبدأ (بلا وعي) يسير على خُطى وتفكير السابقين حذو القذة بالقذة وبنفس التردد والتوجس والاعتقاد بالجرأة، وتبدأ الدورة حتى الوصول للنتيجة (الحسرة) بأن كل ذلك أتى متأخراً، لكن لا مانع أن نتحايل على الإحباط بمقولة (أن تصل متأخراً خيراً من أن لاتصل)، وبالطبع لا بد من تجاهل حقيقة أننا في كل مرة نصل متأخرين!
فنحن ما زلنا نفكر ونُبادر، لكن على طريقة (وين أذنك يا حبشي)، وهذا مثل شعبي شائع تقول قصّته إن الأحباش (طبعاً نحن الأذكى والأشجع.. وجميع مصادر أفعل) عندما تقول ضع يدك اليمين على أذنك فإنه فوراً يضع يده اليمين على أدنه اليسار، رغم أن المنطق الذي تفتّق بأذهاننا كسعوديين أن الأذن اليمنى أقرب لليد اليمنى، أي لا داعي لهذا الطريق الطويل للوصول، فيبدو أننا تنبهنا لما يفعله الأحباش لكننا لم نفكر بطريقتنا الأغبى!
مراحل نمو فكرة سعودية!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
