العاصفة السياسية التي تسبب بها رئيس المحكمة الدستورية التركية هاشم كيليش بسبب انتقاداته التي وجهها إلى الحكومة في احتفالات الذكرى الـ 52 لتأسيس المحكمة الدستورية، لم تهدأ بعد، وربما تكون مرشحة للتفاعل أكثر بسبب ردود الفعل الغاضبة في صفوف حزب العدالة والتنمية.
تركيا التي ناقشت مطولا وصاية الجيش والقضاء على السلطة السياسية، تناقش هذه المرة الحرب البعيدة عن الأعين وصراع الهيمنة والنفوذ بين القضاء والسياسة وتحديدا بعد أزمة 17 ديسمبر والمواجهة بين الحكومة وجماعة غولان التي فجرت كل هذه الصراعات والأزمات.
ويرفض كيليش وصاية السياسة على القضاء، لكنه لا يتردد في تنصيب نفسه وصيا على السياسيين كما يقول رئيس مجلس النواب جميل شيشاك الذي رفض أسلوب وطريقة كلام رئيس المحكمة أمام ضيوفه.
وكان رئيس المحكمة الدستورية المعروف بشخصيته المحافظة قد ألقى كلمة مطولة دعا فيها لاحترام قرارات المحكمة وعدم تسييس قراراتها.
كما انتقد أسلوب وطريقة تعامل الحكومة مع مسائل الحريات في تركيا ما دفع أقرب أعوان إردوغان مثل بولنت ارينش ومصطفى شان طوب لدعوة كيليش للتخلي عن “جبة القضاء وارتداء جبة السياسة” طالما أنه يهاجم الحكومة سياسيا بهذا الشكل.
ومن جهته قال وزير العدل التركي بكير بوزداغ إن قرارات المحكمة الدستورية ليست مقدسة، وهي قابلة للاعتراض عليها، ومن حق رئيس المحكمة أن يدافع عن قراراتها، لكن ما فعله كيليش تجاوز هذا النقاش، فقد تسبب في إشعال أزمة بين القضاء والسياسة، وسيتحمل حتما مسؤولية ذلك.
المعارضة في تركيا تحمل حكومة إردوغان مسؤولية إيصال الأمور إلى هذه المرحلة، وتقول إن ذهنية الحزب الحاكم في السيطرة على القضاء العدلي والقضاء الإداري، والآن جاء دور المحكمة الدستورية، هي التي أوصلت البلاد إلى هذا التباعد والاصطفاف السياسي والقضائي.
لكن أقلاما كثيرة بعضها مقرب من المعارضة تحذر كمال كيليشدآر أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري الذي انتقد لسنوات قرارات المحكمة وأداءها السياسي من محاولة لعب ورقة كيليش في انتخابات رئاسة الجمهورية إذا ما كان يفكر في ذلك.
إعلام جماعة غولن وقف إلى جانب كيليش في هذه الأزمة، وتبنى النصائح التي وجهها رئيس المحكمة لإردوغان وحكومته، كما أشار الكاتب عبدالحميد بيليجي، لكن رئيس تحرير صحيفة يني شفق الإسلامية إبراهيم قره غل يرد قائلا إن كيليش أهان رجال السياسة بعبارات شديدة لا تليق بالمكان والزمان.
ويقول الكاتب التركي إرغون ديلار إن تركيا اعتادت على اهتزازات من هذا النوع، ولكل حساباته ومصالحه التي تفرض عليه اتخاذ مواقف وخيارات، لكن المهم هو التمسك بالمبادئ التي دافع عنها حتى اليوم، وعدم التفريط بها بسبب حسابات سياسية ضيقة.
ويضيف “هل حقا كيليش يستحق كل هذه الانتقادات والهجمات، وهو الذي كان حتى الأمس القريب أقرب الأشخاص إلى الحكومة التي دافع عن قراراتها ومواقفها لسنوات طويلة؟ أم أن طارئا مفاجئا أهم وأبعد من مسألة حماية الدستور ومطالبة الحكومة باحترامه وعدم الخروج عنه، هي القضية التي دفعت كيليش لشن هجومه هذا ضد إردوغان وحكومته؟المؤكد أن سيناريو إدراج كيليش على لائحة المرشحين لانتخابات الرئاسة، بين الأسباب التي دفعته لتسجيل مواقف سياسية بهذا الشكل، كما يردد كثير من المحللين السياسيين، ورغم أن إردوغان لم يرد مطولا بعد على كيليش فإنه اكتفى بتوجيه رسالة مختصرة وموجعة عندما قال أمام مناصريه في مهرجان شعبي حاشد إن الكيان الموازي يتنصت على المحكمة الدستورية أيضا وإن هذا الكيان بارع في الابتزاز، وهي رسالة تعني بشكل آخر أن المحكمة الدستورية أيضا باتت تحت رحمة وتأثيرات هذا الكيان ومطالبه.
تركيا.. من همس في أذن هاشم كيليش؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
