يُسَكّ المُصْطَلَح وتتَدَاولُهُ فئة مِنَ النَّاس، ثُمَّ لا يَلْبث أن يَرتضيه أهل القلم، فيعتدُّونه مِنْ كَلِمِهِم الأثير، وربَّما لم يَحْمِلُوا أنفسهم على الفحص عنه، ويَكْفيهم أنَّ ذلك المصطلح صار جزءًا مِنْ كلامهم، فالتَّفتيش في أصل الكلمات صَعْبٌ شاقٌّ، وما عليهم إنْ تَسَرَّب إلى ما يكتبون، فلا مشاحَّة في المصطلح.
ومِنْ ذلك الكَلِم الشَّائع الَّذي تَوَهَّمْنا أنَّنا لا نستطيع له دفعًا عبارة «عصر الانحطاط»، وربَّما بالغْنا فقلنا: «عُصُور الانحطاط»، وقد نستبدل بهما عبارات أُخَر عنْ «عصور اجترار»، و»عصور تَخَلُّف»، نَسُوق هذه العبارات، ونُؤدِّيها في غير سؤال وفي غير شكّ، ونَقْصد بها كلّ ما أنشأه العرب مِنْ عِلْم وثقافة وأدب في القرون الَّتي أعقبتِ القرن السَّادس الهجريّ، حتَّى أفاق العرب مِنْ سُبَاتِهم الطَّويل، حِينَ تَنَاهَتْ إلى أسماعهم أصوات قذائف السُّفُن الفرنسيَّة، قُرْبَ شاطئ الإسكندريَّة، وعلى وقْع الحملة الاستعماريَّة الَّتي قادها نابليون، ذَرَّ في الأُفُق «عصرُ العرب الحديث»!
لا تَنْوي هذه السُّطُور تأييد مصطلح أوْ دَفْعه، وأقصَى ما تبتغيه أنْ تُلْمِح إلى كيف يُسَكّ مصطلح، فيُسْتَعْمَل، فيَشِيع في كلام المثقَّفين والباحثين وطُلَّاب العِلْم في الجامعات والمعاهد. واللُّغة أَمْرُها ليس بالهيِّن اليَسير، وللكلمات حبائلها الَّتي تُوقِع المتحدِّث بها، فَيَسْتقيد لسَطْوتها، في غير مقاومة وفي غير عُنْف، فإذا به ولا رأْي له إلَّا ما أَلْقَتْه كلمات اللُّغة في روعه، فَيَصْدُر عنها، ويَرَى بعينيها، ولعلَّها تَبْلُغ منه مَبْلغ العقيدة يدافع عنها ويَعْنف في الدِّفاع.
شاعتْ هذه العبارات في كلامنا، وحسبْناها مِنْ العِلْم الخالص الَّذي لا مَحَلَّ لنقْضه، دُون أنْ نَتَأَمَّل عبارة يسيرة كـ»عصْر الانحطاط»، دَعْ عَنْكَ دَفْعها واتِّقاءَها، وَحَسَّنَها في أعيننا أنْ قدْ قالها الجِلَّة مِنَ المستشرقين، وتَلَقَّاها صفوة مِنَ المثقَّفين العرب بقَبُول حَسَن، ولم نَنْتبه، وهذا ما تفعله اللُّغة، ما الَّذي يَعْنيه أنَّنا نَنتسب إلى ثقافة «مُنْحَطَّة»، قُصَارَى ما قَدَّمتْه للإنسانيَّة أنْ «تَجْتَرَّ» ما طعمتْه، كما تَجْتَرّ الأنعام طعامها، ولعلنا، بهذه الكلمات، عَرَفْنا أوْ لمْ نَعْرفْ نَطَّرِح قِسْمًا مِنْ تاريخنا بكلمات سَكَّها لنا غيرنا، فأذْعَنَتْ عقولنا لمشيئة مصطلحهم، واستسلَمَتْ دُون اعتراض.
ثقافة منحطَّة
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
