نشرت صحيفة الوطن في 25-9-2013، ومنذ 7 أشهر تقريباً خبر وفاة مريضة في العقد الثاني من عمرها في عيادة خاصة لطب الأسنان في جدة. وحسب مصدر الجريدة، فإن الفتاة كانت تعاني من آلام في أحد أضراسها، تم على إثرها خلع الضرس. عادت الفتاة إلى منزلها فعاودها الألم مع ارتفاع في درجة الحرارة، مما اضطرها إلى الرجوع إلى نفس العيادة الخاصة وتم إعطاؤها جرعة مضاد حيوي في الوريد، اكتشف أهل المريضة بعد ساعتين أنها قد فارقت الحياة!
وأشار شقيق المريضة إلى أن تقرير الوفاة أوضح أن القلب قد توقف فجأة متهما أطباء العيادة بأنهم لم يكونوا على علم بالإجراءات الواجب اتخاذها أثناء حدوث الحالات الطارئة في عيادة طب الأسنان، وأن العيادة تعاني نقصاً في الأجهزة الطبية والكوادر المؤهلة.
ومن المعروف علمياً أن حالات الإغماء قد تحدث عند طبيب الأسنان في أغلب الأحوال نتيجة الخوف والتوتر من العلاج وبخاصة من إبرة المخدر الموضعي، وغير ذلك من الحالات الطبية الطارئة كانخفاض السكر في الدم، وألم الذبحة الصدرية لدى مرضى القلب، أو حالات الحساسية الناتجة من إحدى المواد المستخدمة وتلك التي تتطلب العلاج السريع في العيادة كما تتطلب التدريب والأدوية والأجهزة الخاصة بالطوارئ.
ومما يجدر ذكره أن الأبحاث العلمية قد أكدت أن طبيب الأسنان قد يواجه حالتين -على أقل تقدير- من حالات الإغماء في السنة. إن علاج الإغماء في العيادة، وإن تعددت أسبابه، يستوجب الإسعاف السريع بالأكسجين لأن تأخر ذلك يؤدي إلى نقص الأكسجين في الدماغ، وانخفاض شديد في ضغط الدم ومن ثم التأخر في إفاقة المريض أو عدم إفاقته نهائياً!
وقد قمت بالإشراف على فريق طبي تابع لكلية طب الأسنان بجامعة الملك عبدالعزيز أجرى بحثا ميدانيا على عينة عشوائية من عيادات الأسنان الخاصة في جدة، شملت 70 عيادة أسنان من مختلف مناطق جدة.
وقد قام الأطباء المشاركون بزيارة هذه العيادات وتوزيع استبيان سُئل من خلاله عن مدى تدريب الأطباء والمساعدين وعلى توفر الأدوية والمعدات اللازمة لعلاج الحالات الطبية الطارئة. وجاءت نتائج هذا البحث -الذي نحن بصدد نشره في مجلة علمية محكمة- مخيبة للآمال!
إن 10% فقط من عيادات الأسنان تحمل قناع أكسجين، و22% يملكون جهازا لقياس الضغط، ويقيس الطبيب العلامات الحيوية للمريض قبل العلاج من ضغط الدم وسرعة نبضات القلب في 35% من العيادات فقط، بينما وجدنا أن 100% من الأطباء يحملون شهادة الإسعاف القلبي الرئوي (CPR) من جمعية القلب السعودية لارتباطها باستخراج بطاقة الهيئة السعودية للتخصصات الطبية.
إن الوقاية وعلاج الحالات الطبية لا تتمثل في استخراج شهادة الإنعاش القلبي الرئوي فحسب، بل تتكون من 6 عناصر أساسية: تدريب الأطباء، تدريب المساعدين والفنيين وموظفي العيادة على جميع الحالات الطبية الطارئة (وليس فقط الإنعاش القلبي الرئوي)، توفر الأجهزة، توفر الأدوية، إقامة تدريبات دورية على الحالات الطارئة، ووجود آلية للحالات الطارئة مكتوبة وموثقة وفي متناول جميع العاملين في العيادة.
كما وجدنا في البحث أن نسبة تدريب الأطباء والعاملين في العيادات 55%، ونسبة توفر الأدوية اللازمة للطوارئ 35% ونسبة توفر المعدات 19% فقط، في الوقت الذي لا يُقبل أن تقل نسبة الاستعدادات عن 100% لأن ذلك يعني عدم تمكن الطبيب من الاستجابة الفاعلة أثناء حدوث الحالة الطارئة.
إذن.. فلا نستغرب حدوث وفاة في عيادة أسنان خاصة تئن من ضعف الاستعدادات.. بل من سوء مستواها!
وتأتي أهمية الاستعدادات للحالات الطبية الطارئة في عيادة الأسنان في أنها تُمكن الطبيب من إسعاف المريض بما تقتضيه الحالة بعلاج أولي يؤدي إلى استقرار حالته، إلى أن يتمكن الإسعاف من نقله إلى المستشفى إذا استدعت الحالة إلى ذلك، خاصة في ظل ما قد يحدث من تأخر الهلال الأحمر. ولي تجربة خاصة في عيادات طب الأسنان في جامعة الملك عبدالعزيز، حيث استغرق وصول الهلال الأحمر 45 دقيقة لحالة حرجة في العيادات. وعند سؤالي لسائق وفني الإسعاف عن سبب التأخر، أفادني بأنه يوجد نقص شديد في سيارات الإسعاف، حيث وُجه الكثير منها إلى مكة والمشاعر استعدادا لموسم الحج.
لم يتمكن فريق البحث من التوصل إلى معرفة ما إذا كان هناك متطلبات أساسية من أدوية ومعدات لعلاج الحالات الطبية الطارئة التي تفرضها وزارة الصحة على عيادات الأسنان الخاصة.
وهنا أُناشد وزارة الصحة أن تبذل قصارى الجهود في إلزام الأطباء في العيادات الخاصة على التدريب على إسعاف الحالات الطارئة وتوفر الأدوية والأجهزة اللازمة لذلك. كما أناشد المسؤولين بالصحة أن يقننوا الجهود لهذا الغرض حتى نتفادى حدوث كوارث ووفيات أخرى ناتجة من قلة الاستعدادات. وأن تفرض على العيادات عقوبات وتربط تجديد الرخص بما يثبت وجود كامل الاستعدادات.
وقد تعددت الأخبار في الصحف في الآونة الأخيرة عن غلق عيادات أسنان خاصة لمخالفتها للأنظمة الإدارية أو انتهاء التراخيص أو سوء التعقيم، وعلى ذلك فإن التأكد من استعدادات عيادات طب الأسنان للحالات الطبية الطارئة من تدريب وأدوية ومعدات، يفوق ذلك أهمية لأن “المريض أولا”!