بدأت إنسانية الإنسان بالكلمة وارتفعت بها مرتبته، فقد علّم الله تعالى آدم الأسماء كلها، وجعلته مواهبه في التعلم وقدراته الكامنة أهلاً للخلافة على الأرض. ثم وصلت بعدها إلى ذريته فعلّمهم الله عن بقية مخلوقاته وكان ذلك باللغة والتي هي دليل على قدرة الإنسان على الفكر الذي سخر قدرة اللغة لانتقال الخبرات البشرية عن طريق المشافهة أو الكتابة. فبالكلمة بدأ تاريخ الإنسان يُسجَّل ويُعرف، وتنتقل خبرات السابق إلى اللاحق مع اختراع الكتابة والقراءة التي أضاءت مسيرة الإنسانية.
وقد كانت الكلمة تُكتب على شكل صور تدل على معاني ومدلولات ملموسة في الحياة اليومية. ففي الحضارة السومرية قبل 5500 سنة دلت النقوش والرموز الموجودة على تطور الكتابة عندهم حيث عرفت كتابتهم بالمسمارية. وفي وادي النيل ظهرت اللغة المروية التي تنتمي إلي اللغات الحامية مثل النوبية القديمة واللغات البربرية في شمال أفريقيا واللغات الحامية في شرق أفريقيا. ثم جاء الفينيقيون وذلك حوالي 1100 ق.م وابتكروا الكتابة الفينيقية مستعينين بالكتابة السومرية والمصرية القديمة وطوروها، وبذلك ابتكروا الأبجدية الفينيقية والتي هي عبارة عن حروف وكل حرف يمثل صوتاً معيناً، وصارت حروفهم أو رموزهم واضحة سهلة للكتابة.
وكل اللغات قديمها وحديثها كانت نتيجة تشكل الصور الذهنية عن الوجود الخارجي، فالبيان واللغة يفيدان على قدر وضوح الأفكار والصور الذهنية عن الكون من حولنا. أما اليوم فنحن نطلق كلماتنا في الهواء بعد أن نشحنها بالمعاني، فقد تكون معانٍ في الحرية والانعتاق وتحرير العقل والفكر، أو قد تكون على النقيض فتتحول من كلمات إيجابية إلى أخرى مشحونة بمعانٍ تعتقل الضمير وتقتل الإنسان وتحطّم فكره وعقله. وللكلمة مكانتها فهي أمانة ترفع صاحبها أو تهوي به: « ثكلتك أمك يا معاذ وهل يُكبُّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم». هذا في قوله صلى الله عليه وسلم فيمن يستخدم الكلمة كآلة نزيهة لأغراض غير نزيهة.
أما في لغتنا العربية الجميلة فإنّ للكلمة في اللهجات المحلية عند كل شعب مرونة عالية قد تظهر في شكل خليط من اللغة الأصل ومما توافق عليه الناس كمساعد للتوصيل. وما زالت اللغة بهذه المرونة قادرة على الاستيعاب ومحافظة على قوتها النسبية، فهي ليست محصنة ضد اللهجات الدخيلة. فلو حدث وفُرضت أي مفردة على سائر كلام الناس تسمعها نشازاً ولا تعدو إلّا أن تكون مجرد ظاهرة تندثر لتحل محلها مفردات أخرى ولكن تبقى اللغة الأصلية ثابتة.
أفلحت أفكار وأقلام بعض العلماء التي افترعها أصحابها ليسردوا بعمق ويغوصوا في الظواهر اللغوية الحديثة المرتبطة باللغة العربية ومعالجتها بأكاديمية مرحة ومستطابة. استطاعوا أن يفتحوا لنا نوافذ استفاقت بها أصوات الباحثين التي تطرق جنبات اللهجات المحلية جيئة وذهاباً لتطمئن إلى أنّ اللغة ومنطوقها بخير.
وهذه المجهودات المقدرة، استطاعت بمثابرتها أن تزيل كثيراً من الغموض الذي أحاط ببعض مفردات اللغة وتفك العزلة عن فكرة الطرق عليها وتؤنس وحشة القول في بعض الكلمات التي كانت وإلى زمن قريب تستخدم في الأرياف القصية فقط. فيكفي أنّ العالم منهم يبحث بهمة الغواص الماهر ليخرج لنا مكنونات ودرر تفك طلاسم لجة الكلمات والأسئلة المقلقة.
الآن أضحت الكلمة رغم إتقانها والتفنن في استخدامها لا تهتم بتدوين الرموز قدر اهتمامها بتدوين المعاني. قد تكون التجربة مكررة عند آخرين بطريقة أو بأخرى حتى لو كتب أحدهم تاريخه الأثير على الأرض ومكث يحميه من ذرات التراب، وحتى لو لم تجدِ حماية التاريخ من ذرات الرمل الطامسة لمعالمه شيئاً، وحتى لو لم يُشفِ الجواب صدور المتسائلين عن أسئلة شائكة.
إنّ جذور اللغة العربية الحية لم تأتِ من العدم فهي إذن لن تعود تلقائياً إليه. لا خوف عليها من الاندثار ولكن الخوف كل الخوف على ما يمكن أن تؤول إليه من تشويه أو تهميش بأيدي بنيها.
كلمة نُبصِر بها
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
