في مناطق ومحافظات كثيرة بالمملكة هناك جهود مبذولة من لجان ووجهاء للحصول على عفو عن بعض مقترفي جرائم قتل، وهناك مطالبات بعضها تنشرها الصحف، وبعضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي للمساهمة في ديات بعشرات الملايين اشترطها بعض ذوي الدم للعفو المنتظر، وبطبيعة الحال هناك سماسرة ومستفيدون بين الطرفين، وسبق أن ناقشت في مقال سابق عن أسباب هذه الديات الضخمة، وقلت إن ما يسفر عنها ليس عفوا، وإنما هو صفقة جاءت ثمنا لدم المقتول، لأن العفو لا مقابل ماديا له، وإنما يطلب العافي الأجر من الله. إنني آمل أن يقوم أحد الباحثين المتخصصين بدراسة هذه الظاهرة وبحث أسبابها، وذلك من خلال قضايا القتل، سواء المنتهية أو المنظورة، وأثق أنه سيصل إلى نتائج تفيد في كبح جماحها، وتعزيز قيم العفو وفضائله. يوم الاثنين الماضي قرأت خبرا في صحيفة الوطن عن عفو حقيقي لم ينتظر صاحبه تدخلا ولا ثمنا، فبعد ثمانية أيام من مقتل ابنه في مزاح بمسدس على يد صديقه، ذهب وكيل أسرة القتيل إلى المحكمة، وصدق تنازله وعفوه شرعا، بدافع ذاتي، وبدون أن يعلم أهل القاتل إلا بعد أن تم العفو، هذا المواطن - جزاه الله خيرا - هو (عضوان بن سفير الأحمري) الذي قتل ابنه خالد - 20عاما - على يد جاره أحمد محمد الأحمري - 18عاما -، وهذا الأنموذج للعفو هو الذي ينبغي تكريسه في المجتمع، لاسيما في مثل هذه الحالات الخطأ، التي لا تحدث نتيجة لعداوة سابقة ولا ترصد لقتل متعمد، حيث القاتل في مثل هذه الحال يشعر بالحزن والألم على من قتل بصورة لا تقل عما يشعر به أهل الفقيد. وفي تصوري لو فهم أولياء الدم في مثل هذه الحالات الخطأ أنه ليس من حقهم سوى الدية الشرعية، فإن حالات العفو ستكثر، وستتقلص المطالبات بعشرات الملايين ثمنا لعفو تجاري، قد يستفيد منه وسطاء أكثر مما يستفيد أهل القتيل.
العفو قيمة دينية وأخلاقية يجب تكريسها بصورتها الصحيحة المحمودة.

[email protected]