يتناقل مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الحالية بعد صدور قرار إعفاء وزير الصحة الدكتور عبدالله الربيعة وتكليف وزير العمل الحالي عادل فقيه للقيام بأعمال الوزارة، معلومات وأحداثا حدثت قبل أكثر من عقدين وثلاثة عقود لهذه الوزارة العتيدة، ومن ضمن أهم ما تم تناقله عنها ما قاله المرحوم الوزير القصيبي في كتابه «حياة في الإدارة»، حين تولى حقيبة الوزارة 1982، وكيف كانت هذه الوزارة عبئاً على القيادة وكيف تحمّل مسؤوليتها.
في سرده لتجربته في هذه الوزارة وهو الرجل «الوزراء» رحمه الله يقول: «يُجمِع خبراء الإدارة العامة أنه لا يوجد مرفق تصعب إدارته كما تصعب إدارة المرفق الصحي. لا يزور المواطن العادي وزارة الصناعة إلا إذا كان من الصناعيين، ولا يزور وزارة الزراعة إلا إذا كان من المزارعين، وقد يعيش أو يموت دون أن يدخل مخفر شرطة أو مكتب عمل. الوضع مع وزارة الصحة يختلف تماما. في المرفق الصحي يولد الطفل ويعطى التطعيمات ويختن الولد. وهناك فحص طبي قبل كل مرحلة هامة من حياة الإنسان. ولا يكاد يوم واحد يمر دون أن يمرض فرد من أفراد العائلة. إذا أضفنا إلى هذه العلاقة اليومية، المتشعبة والمتشابكة، حقيقة هي أن الناس الذين يتعاملون مع الخدمات الصحية لا يكونون وقتها في أفضل حالاتهم النفسية، الأرجح أنهم في أسوئها، أدركْنا لماذا كان رضا الناس عن هذه الخدمات ضربا من المستحيل. كانت الفترة التي قضيتُها في وزارة الصحة أتعس فترات حياتي على الإطلاق»!
لم يستطع أي من الوزراء، حسب رواية القصيبي، أن يغيّر مجموعة من الكوادر العتيدة في الوزارة ولا حتى طبيبا أدين بالإهمال الإجرامي أو حتى ممرضة، فهل بقيت الوزارة في العهود التي تلت وزارة المرحوم القصيبي على نفس الحال، وهل عقبات تطويرها بقيت هي العقبات؟ وهل «تفشّت» في جسد وروح الوزارة كل هذه الأمراض المستعصية حتى أصبحت هي مضرب الرماح والخناجر؟ وهل شخّص أي وزير قبل أو بعد القصيبي حال الوزارة؟ وهل علّة الوزارة فقط في القيادات وعدم القدرة على التغيير في كوادرها القيادية من الداخل؟
العلّة ليست في مرض «كورونا» بالتأكيد ولن يكون سبباً لإعفاء وزير، ولا حتّى طبيب كشف عن ملابسات اكتشافه للمرض وتم الاستغناء عن خدماته، فهذه كلها «قشّ» على ظهر هذه الوزارة المعضلة.
الذين يعرفونها من الداخل لديهم ما يقولونه عنها، والذين يطلبون ويستفيدون من خدماتها يقولون كل شيء عدا الأسباب الجوهرية التي يجب أن تذكر وتعاد ويعاد العمل على غربلتها وتنظيف رحمها من الأخطاء الكبيرة التي ثنت ركبتيها وأعجزتها عن تقديم ما يجب تقديمه من خدمات.
السؤال الجوهري، وهو سؤال المواطن، الجزء الأهم والأولى: ماذا تقدم هذه الوزارة من خدمات له وكيف تقدمها؟
هل استطاعت الوزارة بكل كوادرها ومستشفياتها تقديم خدمات طبية مناسبة وسهلة الوصول، وهل لا يزال المواطن بحاجة إلى أن ترتقي وزارة الصحة بخدماتها؟
لا أعتقد أن الإجابة تخفى على أحد منّا ولا من القائمين على العمل، إذا... ما الذي يؤخر هذه الوزارة إلى هذا الحدّ، وما هي العوائق التي تواجهها الوزارة ولماذا حتى الآن؟
لا أعتقد أن الوزارة ينقصها الدعم من القيادة وفي شهادة القصيبي التي ذكرها وما كانت تعاني منه القيادة السياسية من تأخر هذه الوزارة رغم الدعم الذي يقدم لها شاهد لا يزال قائماً حتى تاريخه، وفي شهادة الدكتور حمد المانع الوزير السابق للصحة أيضاً الكثير من الشهادات التي على من يتولى أو سيتولى قيادة وزارة الصحة أن يجعلها من أولوياته، فما يريده المواطن أهم من كمامة وأهم من معلومات وأرقام وإحصائيات، المواطن يقف على العتبات بالأشهر والسنوات لكي يحصل على أهم حقّ من حقوقه. وأي تأخر عن تقديم ذلك بأعلى كفاءة سيكون سبباً لبقاء الوزارة على مقعدها المتحرّك الذي لم تغادره رغم تعاقب 14 وزيراً منذ تاريخها.