وفرت أجواء الصومال وتراجعه من مجتمع الدولة إلى مجتمع القبلية، أجواء آمنة لأعضاء تنظيم «القاعدة» الدولي الذي رأى أعضاؤه في تلك البلاد خيارا مفضلا لهم لجملة من الاعتبارات أبرزها طول الساحل الممتد على المحيط الهندي وخليج عدن، والحدود المفتوحة إلى عمق القارة الإفريقية مما يساعدهم على تنفيذ عملياتهم فيها عبر ما يسمى بـ «القاعدة في إفريقيا» التي سبق أن نفذت عمليات عدة بينها الهجوم الإرهابي على سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في كينيا.
ونتيجة للأوضاع الفوضوية في الصومال وتراجع قبضة السلطات فيها، تسلل مقاتلو «القاعدة» وبأعداد كبيرة، خلال الأعوام العشرة الماضية إلى أراضيها حيث وجدوا ملاذا آمنا يمكنهم من إعادة تنظيم صفوفهم خصوصا بعد الحرب الأمريكية على أفغانستان، استعدادا لموجة جديدة من العنف ضد بعض الدول انطلاقا من أراضي الصومال الغارق في الفوضى والحروب الأهلية الطاحنة منذ أكثر من عقدين.
ويقدر المتابعون لشؤون «القاعدة» في الصومال، عدد مقاتليها الذين دخلوا إلى البلاد بين عامي 2003 و2011، بنحو 950 عنصرا وفدوا من أفغانستان واليمن والعراق وتنزانيا وكينيا، إضافة إلى الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربية.
منصة للعمليات
وشكلت بيئة الصومال وتضاريسها الجغرافية الوعرة، مكانا مثاليا لانطلاق عمليات تنظيم «القاعدة» في المنطقة، إضافة إلى توفير مكان لتدريب مقاتليه بعيدا عن الرقابة الأمنية المشددة لأعضاء التنظيم في بلدانهم الأصلية، خصوصا في المنطقة الجنوبية حيث توجد غابات وجزر معزولة في ولايات جوبا القريبة من الساحل الكيني والمناطق التي تنشط فيها حركات التمرد الإسلامي المناهضة لكينيا في مومباسا.
ويتم استقطاب أعداد كبيرة من شباب هذه المنطقة المتحمسة للإسلام بسهولة، وتعبئتهم بالأفكار الجهادية المتشددة التي تنتهجها الحركة.
وأسهم غياب الحكومة المركزية في الجنوب وفوضى الحروب الأهلية بين أمراء الحرب، في توفير بيئة مثالية يمارس التنظيم فيها أنشطته على مساحة حرية كبيرة، بعيدا عن المراقبة والملاحقة الأمنية، إلا أن أعضاء التنظيم بدؤوا بمساعدة حلفائهم المحليين، في التخلص من أمراء الحرب الذين تربطهم علاقات ببعض دول الجوار الإفريقي المرتبطة بالغرب.
ثكنات منعزلة
وقال قيادي سابق في حركة الشباب الصومالية (حليفة القاعدة) لـ»مكة» إن أعضاء تنظيم القاعدة في الصومال يتميزون بالاستبداد والتعالي في تعاملهم مع الصوماليين، ويعيشون في عزلة تامة بعيدا عن الشعب بمختلف فئاته، ويقيمون في ثكنات عسكرية نائية.
وأضاف: كان للتنظيم قواعد عسكرية في مناطق شبيلى السفلى وجوبا الوسطى وجوبا السفلى في الجنوب، إضافة إلى قواعد متنقلة في منطقة غلغذود بالوسط الصومالي وذلك قبل إنشاء المحاكم الإسلامية في 2005، وكان للقاعدة وجود قوي في الصومال قبل ثورة المحاكم.
واستضافت حركة الشباب عناصر القاعدة في الصومال بعد انهيار حكم الطالبان في أفغانستان كمقر بديل لعمليات القاعدة.
واستفادت عناصر القاعدة أثناء سفرها إلى الصومال من غياب مؤسسات الدولة، كما خططت للتسلل إلى البلدان الإفريقية الهشة أمنيا وتهريب السلاح من وإلى الساحل الصومالي لاستعماله في عمليات القاعدة بالمنطقة.
واستخدمت القاعدة حركة الشباب كذراع بشري يقي من القبائل الصومالية لتأمين وجودها داخل الصومال لأطول فترة ممكنة.
توظيف التهميش العرقي
ونجح تنظيم القاعدة في الصومال في توظيف التهميش العرقي لخدمة أجندة التنظيم العالمي واللعب فوق التناقضات القبلية والعرقية الصومالية المتباينة.
ولقيت «القاعدة» مساعدة من حركة الشباب المرتبطة به أيدولوجيا، ليبرز في المشهد السياسي الصومالي كلاعب قوي فرض سيطرته ونفوذه في البلاد.
من جانبها ساعدت «القاعدة» حركة الشباب ودعمتها في إذلال القبائل الصومالية الكبرى التي كانت تسيطر على المشهد السياسي والاقتصادي، فبدأت باستقطاب الشباب من الأقليات والقبائل المهمشة على أمل تحقيق العدل والمساواة لهم. وحاولت الأقليات المدعومة من حركة الشباب المسلحة استغلال الفرص المطروحة لفرض سيطرتها على القبائل الأخرى، وتعويض عزلتهم الاجتماعية واندماجهم في المجتمع الصومالي الكبير عن طريق الزواج القسري بفتيات من القبائل الأخرى، مما أثار غضب بعض القيادات داخل الحركة وأدى إلى انشقاقهم عنها وانضمامهم إلى الحكومة الصومالية.
وأعلن أحمد يوسف كبا كودكدي -ابن حاكم ولاية شبيلى الوسطى والقيادي في حركة الشباب حليفة القاعدة- انشقاقه في مايو 2012، وعدد في حديثه إلى «مكة» الأسباب، ومن بينها زواج قادة في التنظيم من فتيات بمنطقته ومن دول مجاورة مثل كينيا وتنزانيا، بشكل قسري وتهديد عائلاتهم إذا رفضوا هذا الزواج.
وهذا ما يؤكده عضو منشق يدعى أحمد، بقوله لـ»مكة» إن المقاتلين الأفارقة هم الوحيدون الذين تزوجوا من صوماليات، مؤكدا أن الاحتكاك بين الأجانب من أعضاء القاعدة وعضويتها من السكان المحليين، كان بنسبة ضئيلة جدا لأن الشعب الصومالي محافظ جدا، ومن الصعب أو المستحيل إقناع والد فتاة بزواج ابنته من أجنبي مقاتل.
وأضاف: كان معنا 11 أجنبيا في وحدتنا التي كانت تتمركز في منطقتي شبيلي السفلى وغلغذود في وسط البلاد، وأذكر أن الراحل أبو منصور الأمريكي هو الوحيد الذي تزوج من صومالية وأنجبا 3 أطفال، أما البقية فهناك حالات زواج لبعض الأجانب لكنها لم تدم على ما أعتقد.