تكمن أزمة «النثر» في الإخفاق الذي مُني به مصطلحه مقابل النجاح الذي حقّقه مصطلح الشعر، فقد دلّ الشعر لدى العرب على الإدراك والعلم والإحساس والشعور والمشاعر والشعائر، وصار في نظمه بما فيه من وزن وقافيه ممثّلاً للشعريّة، وناظمًا لعموم النظريّة الفنّيّة في الثقافة العربيّة.
فالنثر في أصله اللغويّ هو نقيض النظم، و»نثر الشيء تفريقه وتشتيته، ونثرت الدابّة في اللغة يعني أخرجت ما في أنفها من الدود، والمرأة النثرة كثيرة الكلام، والرجل النثر كثير الولد»، فليس من دلالة إيجابيّة تصل ما بين المعنى اللغويّ هذا، والمعنى الاصطلاحيّ للنثر القاضي بأنّه الكلام الفنّيّ؛ من حكمة أو مثل أو خطبة أو رسالة أو قصّة أو رواية أو غيرها، لكنّه لا يبلغ مبلغ الشعر مهما حوى من الجمال، ولا يحقّق شرط منظوم الكلام بأحسن الأحوال.
وما زال النثر الذي هو أدلّ على العقل؛ لأنّه من حيّز البساطة كما يقول التوحيدي، يفتقر لدينا نحن العرب إلى التأطير والتقنين والتحديد، وما زلنا حائرين بتحديد اسمه واصطلاحه ورسمه، فهو نثر مرّة، وسرد أو سرديّات أخرى، ورواية وإنشاء وترسّل وحكي وكلام وكتابة... إلخ. وهكذا تحمل كلّ كلمة من هذه الكلمات ظلالاً من التشتّت، أو عدم المصداقيّة، أو التخييل، أو التجنيس أو محض القول، أو الدلالة على التقييد حسب، ولا تقدّم تصوّرًا دالاًّ على ماهيّة الموضوع، أو مقدار ما يشتمل عليه من علم أو فنّ.
ومن ثمّة، فإنّنا ما زلنا حائرين في الأدب العربيّ، وفي الثقافة العربيّة بصورة عامّة، في تحديد المعايير الأدبيّة والفنّيّة والأسس الموضوعيّة التي نحكم بها على ما في النثر من فنّ، ولعلّ غاية ما ننعت به نصًّا نثريًّا أن نرصد مقدار ما فيه من الشعر أو الشعريّة، فنجهد أنفسنا لنكتب في شعريّة النثر؛ لنمدح هذا النوع من النثر، أو ذاك النمط من السرد.