لا يمكن علاج الفكر المنحرف إلا بفكر صحيح، فالقناعات لا تزول إلا بقناعات، فكل إنسان اعتنق فكراً مُنحرفاً وترسخت لديه قناعة ذاتية بصحتها لا يمكن لصاحبها التنازل عنها مهما كلفه الأمر، حتى لو ادعى أنه ترك هذه الأفكار عند معاقبته بسجن أو تعذيب، فإنه لا أحد يعلم صحة تركه لهذه الأفكار ما لم تكن لديه قناعة بعدم صحة ما كان يعتقده وأن الصحيح هو ما كان يجهله من الأفكار الصحيحة التي لم يكن مقتنعاً بها في السابق، وهذا يتطلب مناقشته في الأفكار التي كان يعتقد صحتها وهي في حقيقتها خاطئة وتكون هذه المناقشة مبنية على التفسير الصحيح للحجج والبراهين التي استمد منها قناعته.
في الوقت الذي أطلقت فيه “حملة السكينة” أسبوعها الذي خصصته لـ”فقه الجهاد”، لمناصحة المحرضين والمنجرفين خلف الأفكار الضالة، والمغرر بهم من قبل التيارات المتطرفة، واجه المتطرفون ذلك بتزوير حسابات في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، باسم “السكينة” وهذا ما كشفه للصحافة المحلية المدير التقني في حملة السكينة المهندس يحيى الزهراني. ومن لم يسمع بـ”حملة السكينة” فهي حملة سعودية للحوار تابعة لوزارة الشؤون الإسلامية تقومُ فكرتها على الانتشار في مواقع ومنتديات ومجموعات الانترنت، وذلك عبر فريق عمل مُختلِف التخصصات، يُحقق بتكامله أهداف الحملة عبر الوسائل والأساليب المُناسبة والمؤثّرة. على أن تكون صفة الانتشار والتعامل مع الجمهور صفة شخصيّة وديّة، ومن خلال هذه المواقع والمنتديات يتم بث المفاهيم الصحيحة ومُناقشة الأفكار المُنحرفة. وأنا أعتقد أنها حملة جاءت مكملة “للجنة المناصحة” التي أطلقتها وزارة الداخلية قبل سنوات والتي أثبتت نجاعتها في مكافحة الإرهاب.
من الطبيعي أن تتعرض هذه الحملة إلى التشويه والتشتيت من قبل شبكات وخلايا متطرفة خاصة بعد أن كشفت حملة “السكينة” في ورقة عملها في المؤتمر الدولي للإرهاب عن أن عدد الذين تراجعوا إثر محاورة الحملة لهم بلغ نحو 1500 شخص من أصل 3250 شخصاً تمت محاورتهم عن طريق المنتديات والمواقع وبرامج المحادثة المباشرة، وقد تم توثيق جميع الحوارات عبر وثائقي “السكينة”. ومن خلال متابعتي لهذه الحملة “المباركة” أرى أنها تحتاج إلى فاعلية أكثر، فما زالت تتحرك دون المستوى التقني المطلوب، وهذا ما اعترف به القائمون عليها، “فحسابات السعوديين المشاركين أو المتعاطفين مع الجماعات المتطرفة، يُحيط بها طوق من الحسابات “المشبوهة”، حيث لاحظت الحملة قوائم المُتابعين في الـ140 حسابا مكررة، وتتحرك بمنظومة واحدة، وتصنع ما يُشبه العزلة للحساب المُستهدَف، الأمر الذي يوحي بوجود أنصار ومتابعين على نسق تلك الأفكار”، وهنا يقترح أن يتم الاستعانة بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية أو بشركة متخصصة للمشاركة في إدارة حسابات الحملة تقنياً وكشف كل الحسابات المزورة التي تنتحل صفة الحملة في مواقع التواصل الاجتماعي. فالمحتوى والمضمون يتطلب إدارة تقنية عالية.
كما أن عدد المتابعين لهذه الحملة في تويتر أقل من 2000 متابع، وهذا عدد قليل “جداً” بالنسبة لمن يريد الوصول والتأثير. علماً أن عدد تغريدات حساب الحملة قد تجاوز 8.792 تغريدة. وإن كان يسجل للحملة حضورها الجيد على الفيس بوك لكن أرى أن “تويتر” مهم جداً التفاعل معه. وهنا نعود إلى ضرورة الاستعانة بأهل الخبرة للتسويق والانتشار. حيث تستطيع الحملة أن توقع شراكات مع من لديهم عدد متابعين كُثر سواء كانت صحف أو شخصيات من رجال دين أو إعلاميين أو فنانين وذلك عن طريق طلب التغريد عن حساب الحملة أو إعادة التغريد لما تنشره.
أخيراً أتمنى أن تمتد “حملة السكينة” إلى مدارسنا وجامعاتنا، وأن تبدأ بمحاورة معلميها قبل طلابها، خاصة معلمي “المواد الدينية” فنحن نحتاج إلى قراءة أفكارهم والكشف عنها قبل أن نسلمهم عقول أبنائنا.