كي يكتمل الحديث عن التنظيمات السرية في العمل الإسلامي في مقالات سابقة لا بد من كلمة حول الآثار والنتائج بشكل مختصر.
فالعمل السري آثاره ونتائجه متقاربة عند الإسلاميين وعند غيرهم، والتنظيمات السرية في كل الأحوال تعاني من مشكلات مشتركة وتصيبها ذات الأدواء.
وإذا قصرنا الحديث على الإسلاميين في جانب النتائج والآثار فعلينا أن ندرك أمراً يختصر علينا كثيراً من التأمل والتفكير عند القراءة الأولى لنتائج التنظيمات السرية الإسلامية القديمة والمعاصرة، هذا الأمر يبدو لي من عدة نقاط:
- عندما وصلت عدد من الحركات السرية للحكم لم تكن أفضل من التي قبلها، فالعباسيون كرسوا استبداد بني أمية، والفاطميون كانوا عذابا على الناس، كما أن الانقلابات العسكرية أثبتت في ليبيا والعراق وسوريا واليمن ومصر وغيرها في العقود الماضية أن من سبقها كان خيرا منها ونادر جدا من خرج عن هذه الظاهرة.
- الحركات السرية غالباً تنتهي بكوارث إنسانية يذهب ضحيتها أعداد كبيرة من الناس.
- نسبة النجاح للتنظيمات هذه قليلة جداً لأنها تراهن على مجهول، ومن وضع لها في التاريخ الماضي والحاضر نسبة النجاح إلى الفشل فلن يجد للنجاح نسبة تذكر أمام الفشل الذي أصابها، حتى وإن نجحت في البناء والتطوير والتنمية فقد فشلت في صناعة الإنسان واحترام كرامته. ولو حدث أن نجاحا حالف تنظيما فهو فلتة دهر ونادرة لا ينبني عليها حكم.
ولو اكتفينا بذكر الواقع الذي نعيشه الآن لما وسعنا الحديث عنه في صفحات كثيرة لأن التنظيمات السرية الإسلامية لم تنجح في أي محاولة من المحاولات، ولا تزال هناك تنظيمات سرية قامت منذ زمن طويل وكشف أمرها وهي تحاول إيهام نفسها أنها لا زالت سرية وهي تتخبط الآن في الأوهام.
ـ أهل التنظيمات حين وصلوا إلى الحكم استبدوا بالرأي والمال والقرار، وذلك من منزع نفسي خطير نتج عن إحساسهم بالأحقية في هذا الأمر، إذ يرون أنهم قاموا بالتضحية والبذل وتخليص الناس من الحكم السابق في حين كان الناس أهل تخاذل وغفلة وتخل عن المسؤولية.
- من خلال تجارب مثبتة في تاريخنا المعاصر للجماعات والحركات التي استخدمت العمل السري كلياً أو جزئياً وجدنا الذين أسسوا هذه التنظيمات ندموا على ذلك أشد الندم، لأن العمل السري بات عبئاً
لا تستطيع الدعوة والمشاريع الإسلامية احتمال ثقله وتبعاته ومشكلاته المتعددة، فحسن البنا كمثال أول من اكتوى هو وجماعته من التنظيم الخاص الذي وضعه، وذكر الأستاذ فريد عبدالخالق أن البنا كان يشد شعره ويبكي أمامه ويقول: أنا أبني وهم يهدمون! بسبب الممارسات التي كان يقوم بها التنظيم السري. وهناك من القيادات الكبيرة في الإخوان المسلمين من يحرمون العمل السري ويعتبرونه خطراً على الدعوة والناس، بل قام بعض العقلاء من قادة الإخوان بحل التنظيم وتفكيكه في أكثر من دولة عربية وتحويله إلى عمل علني يتعامل مع الواقع حسب الإمكان قبل أن يعرف الإخوان السلطة إثر الثورات الأخيرة.
بل إن الإخوان المسلمين في مصر وفي الأردن واليمن والكويت وغيرها قبل الأحداث برغم إبقائهم على الصفة السرية وعدم إدراكهم لخطورتها،كانوا يعملون علنا وينافسون على مقاعد البرلمانات ويرشحون أنفسهم في محاولة للموازنة بين السري والعلني. إلا أن الإخوان في مصر وخارجها ومن لف لفهم حتى الآن لم يستطيعوا التخلي عن السرية لأسباب منها المكاسب الشخصية للقيادات والتي لا يمكن الحفاظ عليها في جو من العلانية والحرية، بالإضافة إلى أن السرية من أقوى الوسائل التعبوية للناشئة والأغرار حيث تستغل فيهم همة المغامرة وشفافية الروح وقلة الإدراك وتغلب العاطفة، فيستغلهم التنظيم بهذا الأسلوب المحتشد بالإثارة والمفخخ بالتغييب العاطفي عن عواقب الأمور ليمرروا عليهم هذه الجريمة.
ولا شك أن هناك جماعات أخرى فككت تنظيماتها وأعلنت عن نفسها وظهرت إلى النور والشمس والهواء.
ـ إذا نظرت إلى بقايا التنظيمات السرية كالناصرية والبعثية والشيوعية فإنك تنظر إلى أطلال، بعضها أصبح ذكرى سيئة والآخر يحتضر في حالة وفاة، والتنظيمات الإسلامية التي عملت سراً هي تعاني نفس المعاناة فمنها ما لم يعد موجوداً ومنها ما هو على وشك الرحيل.
وترى الشيوعية التي ملكت نصف الأرض لا تكاد تتنفس في مهدها فكيف في عالم لا يؤمن بها، وقد عملت تنظيمات غاية في الشر وحاولت الانقضاض على ما تبقى من الإسلام وأصبح الشيوعيون العرب يخجلون من انتسابهم إلى الشيوعية. وأبشّر الذين يعملون سراً لأي حسابات خارجية أو داخلية أو مذهبية أو حزبية أن هذا المصير ينتظرهم قريباً، وأن أمرهم سينكشف للناس وللتاريخ.
خلاصة الأمر أن التنظيم السري ثبت تاريخياً وواقعاً بأنه مشروع فاشل لا تقوم عليه نهضة ولا تصلح به أمة ولا شعب، ولم ننكر وصول بعض التنظيمات إلى أهدافها التي أرادت ولكنها أثبتت أنها نكبة تؤرخ بها الشعوب أحداثها.
والمضحك في الأمر أن جميع التنظيمات السرية في العالم إلا النادر معروفة لدى الدول التي تعيش فيها، وتتسمى بغير أسمائها زيادة في الحرص وجميع أمورها علنية عند الآخرين، وتعتبر هي الأكثر علانية واختراقا وبرغم ذلك تتحرك على أنها سرية فمتى يعقل هؤلاء المغفلون والقطيع الذي يسير وراءهم؟