ليس الإنسان صخرة صماء لا تحس ولا تشعر ولا تتأثر بالظلم والأذى، بل هو خليط من المشاعر والأحاسيس التي لا تنفصل أبدا عن الاستجابة للواردات، فتفرح وتتألم وتحب وتكره وترضى وتحقد.
وإذا كان الإنسان قد علم قطعا أنه ليس الوحيد الذي تنتابه المظالم وتتناوشه الإساءات وتتوالى عليه المكدرات ممن حوله، فإن سيره على خطة نفسية وعمليه واضحة في مواجهة ذلك ستكون عونا له بإذن الله على استقرار نفسه واطمئنانها وانضباط ردود فعله، مهما اختلفت الحالات، وتنوعت المظالم.
ومن ذلك أن يعلم الإنسان أن هذه المنغصات إنما هي من شأن الدنيا وطبيعتها، فهي مطبوعة على الكدر والأذى، ولا سلامة ولا خلاص له من أذى البشر في الدنيا بحال حتى لو خلا من رأس الجبل، وأن يعلم أن كل أذى يصيبه ففيه خلف من الله تعالى إما في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما، وأن عليه أن لا يستسلم لهذا الظلم، فإن قدر على دفعه بالحسنى وإلا فليصبر ولا يسمح لنفسه أن تنهار أو تضعف، ولئن يكون مظلوما ينتظر الإنصاف والقصاص من ظالمه خير له من أن يكون ظالما ينتظر العقوبة، والعاقل قد يجد في وقوع الظلم عليه أسرارا أخرى تجعل من وراء مصيبته الظاهرة خيرا باطنا.
ومن ذلك أن تسلط الظالمين على العبد قد يكون داخلا في باب العقوبة المعجلة على ظلم سبق من المظلوم نفسه، والله تعالى كما أخبر في كتابه قد يولي بعض الظالمين بعضا، فيعاقب السابق باللاحق فيكون ذلك دافعا للمراجعة والتوبة، ومنها أن ذلك قد يكون تهذيبا لنفسه من كبر خفي أو من غفلة واغترار ومحبة للدنيا، وربما كان ذلك البلاء بسبب سكوته عن حق أو ظلم وقع على غيره وهو يقدر على دفعه..
وهكذا.
وكل ذلك سيكون دافعا لكراهية الظلم والعمل على مقاومته ومنعه، وتطلب العدالة والإنصاف، وبذل الأوقات والأموال وربما الأنفس لمنع انتشاره.
فمن ذاق الظلم وعرف مرارته وحرارته فلن يرضى بأن يكون ظالما ولن يسمح للظلم أن يقع على غيره متى قدر.
وكل ما أشرنا له هنا وفي المقال الماضي له شواهد لا حصر لها من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وحكمائها.
ومن أقوال علماء النفس والتربية ومن حوادث التأريخ ووقائعه، وهو ما لا يمكن إيراده مفصلا هنا.
ماذا أفعل؟
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
