لأخطار الفادحة الماثلة تنبه الأمم الحيوية المتماسكة، وتحفزها للدفاع عن وجودها، لكنها تصعق الأمم الجامدة الهشة، وتصيبها بالارتباك والشلل.
- أمة العرب أمة شابة، بحسب النسبة المرتفعة (60% في بعض الأحوال) ممن هم تحت الأربعين بين سكانها، مقارنة بالنسب الأوروبية المتدنية.
- أمة العرب أمة ثرية، تكاد تحتكر نفط العالم وغازه، وتسيطر على خطوط الملاحة العالمية الكبرى بوقوع هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق تحت سيطرتها أو عند أعتابها.
- أمة العرب أمة قوية، لديها جيوش تعدادها بالملايين، تضن الشعوب باللقمة على نفسها لكي تشتري لها السلاح والعتاد الحديثين، وبعض تلك الجيوش معدود من بين أقوى جيوش العالم..
- أمة العرب أمة ذات حضارة عريقة، تعرف الفلسفة والمنطق وابتدعت الكثير من قواعد التفكير وفنون الكتابة والنظر العقلي في القضايا والمشكلات.
- أمة العرب أمة واحدة، والواحدية التي أعنيها هنا ليست على النمط القومي الستيني القديم المتآكل، لكنها تتضح بمجرد الإشارة إلى اللغة الواحدة والمزاج الواحد والمصالح المشتركة والهزائم التاريخية المشتركة أيضا!
....
ونستطيع أن نعدد الصفات والسمات العربية على هذا المنوال مقالات ومقالات، لكنني اختصارا أكتفي بما تقدم، وأنتقل بكم إلى الوجه الآخر من العملة العربية (الافتراضية)!
...
- أمة العرب أمة فقيرة، توزيع الثروة فيها مختل خللا فادحا، بحيث ينعم عدد محدود من العرب بثروات طائلة، تضرب بها الأمثال في الغرب، بينما يعيش أكثر من نصف السكان قرب خط الفقر.
- أمة العرب أمة ضعيفة، وإلا كيف حدث أنها صارت نهبا للجميع من حولها، يتخاطفون أرضها، ويسلبونها ما تبقى لها من نفوذ، ويلعبون بمصالحها لعبة الواثق من الفوز.. وكيف حدث أن الصوت العربي في المحافل الدولية ما عاد أحد يعتد به؟!
- أمة العرب هي أمة الأمية، فالإحصاءات المعتمدة تتحدث عن 100 مليون أمي من بين عدد السكان العرب الذي يقل عن 400 مليون؛ ربع العرب أميون إذن أمية الحرف، وهي نسبة تتصاعد لتصير نسبة مرعبة إن أضفنا إليها أمية الحاسب وأمية اللغات الأجنبية وأمية العجز عن التفكير النقدي السليم.
- أمة العرب أمة متشرذمة، تغلبت بين شعوبها انتماءات قطرية ضيقة، وحمية الجاهلية التي تجعل القبيلة قبل الوطن والوطن قبل الأمة، وصارت إدارات الأقطار العربية المختلفة، تعد مجدها وسؤددها الوحيد المتاح، هو التفوق على الأقطار العربية الأخرى.. رغم أن الجميع متخلفون أشواطا عن ركب العالم، وكأنهم يعيشون في كوكب مختلف اسمه كوكب العرب!
...
نحن إذن أمة التناقض بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.. والسعي لرصد وتحليل أسباب تلك التناقضات العربية وغيرها مما لم يتسع المجال لذكره، ينبغي أن يكون الشغل الشاغل لمراكز الأبحاث العربية لسنوات مقبلة، هذا إن أرادت أن تعمل -على سبيل التغيير- عملا مفيدا!
أما أنا فأشغل ذهني منذ سنوات بسؤال واحد ما ينفك يلح علي
بلا انقطاع: كيف يُبرئ الفرد العربي منا ذمته في زمن تأكل فيه التناقضات أمته وتنحط فيه همتها إلى قاع لم تصله قبلا طوال تاريخها العريض التليد؟
والإجابة التي توصلت إليها بعد طول تأمل وتدبر لا تخرج عن الانكباب الفردي على تحمل المسؤوليات الشخصية الملقاة على عواتقنا كأفراد، بشجاعة وإخلاص ونبل واستنارة..
درب نفسك أيها العربي، على أن تكون صالحا وإن بين فاسدين، كريم الخلق وإن حاصرتك البذاءة، ساعيا للعلم وإن سخر منك الجاهلون، شجاعا صبورا صلبا.. قانعا بأن تكون درجة في سلم سيصعد عليه أبناؤك وأحفادك إلى مستقبل عربي أفضل..
رَبّ أولادك وبناتك على مهارات التفكير النقدي المتحرر وعلى مكارم الأخلاق وتعظيم العلم ولا تبخل بما في وسعك لتعليمهم أحسن تعليم متاح..
وإن أنت رأيت الطائفية تسير في طريق فسر أنت وعيالك في الطريق الآخر..
كن صالحا وامنح الأمة نشأ صالحا، تُبرئ ذمتك من هذا الزمن العربي الكئيب.
إبراء الذمة في زمن الغُمّة!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
