قطعا هم «أدرى بشعابها»، أهلنا أهل مكة.. أجيال ممن تغبّروا وتعفّروا ببطحائها.. الشريفة، وعبّوا من بئر زمزمها.. لا يطيقون البعد عنها لا في حَرٍ ولا قر.. لوّحتهم شمسها وخبزتهم وعجنتهم.. عركتهم التجارب، كما «عريكة الدُّخن» بتمر أمنا النخلة، «مسقسقة» بالسمن البري، قبل أن يعرف الناس أو يسمعوا بـ»السُكّر والكولسترول»..
رشاقة لا تعيقها «الكروش».. يضربون «الفص» وتوابعه المجموعة في قولهم «سلِّموا لي على الفول، والتميس البخاري.. والمطبّق أبو البيض.. واللحوح اليماني» وما كانوا يسمَنون.. أمّا اللحوح فقد دخل في الأُهزوجة مع ما قبله، ولا علاقة له بالفطور الذي يتناوله أهل ذلك الزمان باكرًا قبل ـ أو بعد ـ أن تطلع «يا محلَى نورها شمس الشّموسة»!
وما جدة «أم الرخا والشِّدة» عن أهل مكة شرفها الله ببعيد، فهي بوابة مكة الكبرى وتتشرّف بأن تكون «دهليزها» ـ كما يحلو لأبي الشيماء الأستاذ محمد سعيد طيب أن يسمِّيها ـ و»الدهليز» في هندسة بيوتها وبيوت مكة يكاد في سعته وعلو سقفه وبلاطه الموزايكو يشبه البهو.. بارد في صيف ولفح «السَّموم» الذي يستوي فيه البلح قبل أن يصير رطبًا ـ كما كان يقول لي عمنا المدني الشيخ «محجوب حجار العُمري» أبل الله تربته.
وها أنا دخلت من باب مكة، منطلقا من «الدهليز جدة» مرورًا بـ»شارع قابل»، وليس «سوق قابل» كما تحب بلدية البلد أن تسمّيه!
والحق أن وجداننا الذي تشبّع و»تسقسق» بالموروث الشعبي، ينحاز لعشقنا القديم.. بل ولكل ما يمت إلى التراث بصلة.. فلا تغيروا ـ بارك الله فيكم ـ ما تعودنا عليه، إلا إن كان في الأمر «محظورات» توجب التغيير.. فالقاعدة هي تغيير غير الحسن مما لا يَحْسُن ذكره من الأسماء فلا «تشنقوا العتبة وتعلّقوا الباب» فإن في الأمر سعة!