كنت وما زلت حاضرا للكثير من مشاهد تقديم العزاء بمدينتي جدة ومكة المكرمة وشاهداً عليها. ولاحظت أن أيام تقديم العزاء لدينا أصبحت كأنها من ليالي الاحتفالات السعيدة، المشاهد تتكرر والمعزون يملؤون الأحياء بسياراتهم ويجلسون على كراسي بالساحات والأحواش وتسد الشوارع. سرادقات تقام، وهناك شيخ يقرأ القرآن وصوته مرتفع عبر ميكروفونات موزعة على عدد من المواقع. وتجد بعض الرجال يقدمون القهوة والشاي والماء غير بارد. ثم تقدم موائد للطعام، وقد يظهر فجأة بعض المتسولين والشحاذين. ثم تسمع أصوات الميكروفونات الزاعقة تملأ الأفق ضجيجاً تعلن الدعاء للميت.
وهناك ظاهرة جديدة غير معهودة نشاهدها أمام السرادق، وهي انتشار مصورين للصحف يصورون المشاهير والنجوم والمسؤولين في مداخل ومخارج مكان إقامة العزاء. وفجأة تبرز في أيديهم المسابح، وفي المشاهد الأخرى يكون الرجل المصور محسنا جلسته وشكله. وكأن عائلة المتوفى المعزى فيه تعيش أزهى أيامها في ظل وفاة عزيز عليهم. ثم نسمع إطلاق تصريحات نارية عن المتوفى. لقد وصلت مراسيم العزاء لدينا لدرجة مزعجة ومقلقة، بل بلغت ذروتها بإعلانات العزاء وشكر التعزية على صفحات كاملة بالصحف، وهذا في ظني نوع من الإسراف.
يضاف لذلك أن موائد الطعام التي تقدم دخلت حالات فيها ترف وإسراف. هذا النوع من الناس يسيئون لعاداتنا وتقاليدنا وأخلاقياتنا. هكذا أرى وغيري أن هؤلاء من الغلاة باستخدام الأموال في غير محلها.
إن مشهد تقديم العزاء يجب إعادته لوضعه القديم والتقليدي والمحترم والمعبر عن المناسبة. فهل نعود؟ وعلينا أن نصارح أنفسنا في أوضاع مثل هذه المناسبات الاجتماعية. بالتأكيد هناك من له عقل وهناك باحثون يهتمون بتحليل الظواهر الاجتماعية المستجدة بشكل علمي. ومهما كانت حالة الشعور بالرضا لما يفعله البعض وتسيطر عليه عقلية: علينا ألا نبخل في الإنفاق على الميت، فإن هناك من يمكن أن يقوم بتحليل موضوعي لهذه الظاهرة الجديدة بهدف معرفة الحقيقة بصرف النظر عن سيطرة العواطف.
هذا واقع نعيشه وأخشى أن يصبح في المستقبل سبب انسداد أي تفكير عقلاني لمراسيم العزاء. مطلوب مراجعة دينية واجتماعية واقتصادية للإجابة عن السؤال: كيف وصلنا إلى هذا؟
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.