بقليل من التغيير التكتيكي في السياسة الطائفية المتبعة من جانب التحالف الوطني الشيعي، الحاكم منذ 2003 والكثير من وعوده السخية بالإصلاح، وإنهاء الأزمات وتحقيق الوحدة الوطنية، وتشكيل الحرس الوطني ومحاسبة المفسدين من أنصار رئيس الحكومة السابقة «نوري المالكي»، المتغلغلين في مؤسسات الدولة كالأخطبوط، رحب العراقيون بتولي «حيدر العبادي» أحد أعضاء هذا التحالف ومن نفس حزب «المالكي» زمام الأمور في البلد الذي أثخن بالمشاكل والأزمات الطائفية والعرقية على يد المالكي ورجاله، وعقدوا عليه الآمال في لم الشمل العراقي وتوفير الأمن والاستقرار ومنع التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للبلاد.
ولكن لم يحدث أي شيء من هذا، ولم يحقق أيا من الوعود التي وعد بها الشعب رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على تسنمه «أي العبادي» السلطة، بل تفاقمت الأزمات في البلاد وتصاعدت وتيرة الإرهاب والعنف الطائفي، وانعدم الأمن والاستقرار وتصاعدت عمليات التهجير القسري التي تقوم بها الميليشيات الشيعية المسلحة داخل قوات الحشد الشعبي ضد المكون السني، والهجمات المتواصلة من جانب قوات تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على المحافظات السنية.
كل هذا أدى إلى نزوح أعداد هائلة من مواطني تلك المحافظات، حتى بلغت مليوني نازح في إقليم كردستان لوحده!.
.
وبمجيء «العبادي» للحكم، ازدادت التدخلات الإيرانية في العراق، وتوسع نفوذها السياسي والعسكري فيه بشكل مخيف، وكان لقائد فيلق القدس الإيراني الجنرال «قاسم سليماني» وظهوره في الساحة العسكرية والسياسية وقيادته الفعلية للجيش والحشد الشعبي العراقي ضد تنظيم «داعش»، دور كبير في التمدد الإيراني في العراق.
هذا الرجل يتمتع بسلطة تفوق سلطة «العبادي» نفسه، وقد اعتبرته بعض الدوائر السياسية الحاكم الفعلي للعراق، وقال عنه نائب رئيس الوزراء «صالح المطلك» بأن «كل الأشخاص المهمين يذهبون لرؤيته» وأشاد به «هادي العامري» زعيم ميليشيا «بدر» الشيعية، واعتبره المنقذ الحقيقي لحكومة «العبادي» (لو لم تكن إيران واللواء قاسم سليماني لكانت حكومة حيدر العبادي حكومة منفى ولم تكن في الداخل).
.
ولم تكتف إيران بمد نفوذها في بغداد والسليمانية (ثاني أكبر مدينة كردية في إقليم كردستان) من خلال الأحزاب والميليشيات الشيعية والكردية وخاصة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني التابع لرئيس الجمهورية السابق «جلال طالباني» من خلال أربعة من قياديه البارزين الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية، بل تحاول أن تمد أذرعها إلى القسم الكردي الآخر، الذي يسيطر عليه الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتزعمه رئيس الإقليم «مسعود بارزاني»، مستغلة ظروف الحرب التي يمر بها مع تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».
وما الزيارة التي قام بها رئيس البرلمان الإيراني «علي لاريجاني» إلى «أربيل» في 26 من ديسمبر عام 2014 إلا من أجل تحقيق هدف إيران الاستراتيجي في بسط هيمنتها الكاملة على العراق، كما هي الحال مع سوريا ولبنان و«لاحقا» اليمن عن طريق الحوثيين، ولفرض أجندتها السياسية على المنطقة واستعمالها كورقة ضغط على الدول الغربية في مفاوضاتها النووية معها، والحصول على المزيد من المكاسب القومية في المنطقة.
هذا النفوذ القوي المتشعب في العراق حقق لإيران مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة، ساعدتها على مواجهة الحصار الدولي جراء ملفها النووي، وقد لا نبالغ إن قلنا إن نفوذ إيران في العراق أكبر من نفوذ الدول الغربية في هذا البلد مجتمعة، وقد أقر المستشار الأعلى للقائد العام للقوات المسلحة الإيرانية اللواء «يحيى رحيم صفوي» بهذه الحقيقة وصرح؛ أن نفوذ إيران أكبر بكثير من نفوذ أميركا في العراق.
.
مهما تقدمت حكومة «العبادي» خطوات نحو الإصلاح وانتهجت سياسة وطنية، فإنها عاجزة عن تحقيق الأهداف الوطنية التي تسعى إليها وتعمل من أجلها في ظل سياسة التبعية التي تنتهجها تجاه إيران، ولا يمكن أن يتصالح العراق داخليا وخارجيا مع الدول العربية والخليجية المجاورة ما لم يتخلص من القيود الإيرانية المفروضة عليه، مهما كانت الدعوات الطيبة التي وجهها العراق إلى الدول العربية والخليجية بإعادة المياه إلى مجاريها، وطي صفحة الماضي وتطبيع الأوضاع وإعادة الثقة المفقودة والتعاون المشترك لمواجهة الإرهاب وغيرها، فإنها لا تجدي نفعا في ظل خضوعه التام للإملاءات الإيرانية.
لا يستطيع العراق بوضعه الحالي المكبل بقيود العبودية أن يلتزم بكلامه أو يفي بوعوده مهما قطعها للآخرين، ورغم معرفة دول مجلس التعاون الخليجي، والمملكة العربية السعودية بشكل خاص هذه الحقيقة، إلا أنها مدت يدها للحكومة الجديدة برئاسة «العبادي» واستجابت لتلك الدعوات، وقررت فتح سفارتها في «بغداد» كبادرة حسن نية.
.
العراق في ظل الاحتلال الجديد
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
