حدد خبراء منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، أربع آليات لمواجهة التهديدات المتعاظمة لزراعة الذرة، والأرز، والقمح، وتحسين المعدلات الإنتاجية لهذه المحاصيل الغذائية الرئيسة عالميا، والوصول بها إلى ثلاثة مليارات طن سنويا، بغضون السنوات الـ35 المقبلة.
وبحسب الخبراء، الذين شاركوا في اجتماع متخصص عقدته الفاو مؤخرا، وحضره كبار خبراء الإنتاج المحصولي على الصعيد الدولي، فإن زراعة الذرة، والأرز، والقمح، ينبغي أن تصبح أكثر استدامة، مؤكدين في السياق ذاته ضرورة اقتران أصناف المحاصيل المحسنة بنظم صديقة للبيئة.
الآليات الأربع – من وجهة نظر خبراء المنظمة – كفيلة في الحد من تدهور الأراضي الزراعية بفعل الإنتاج المكثف، وهي:

1 اعتماد أساليب زراعية صديقة للبيئة لتحقيق إنتاجية أعلى مع الحفاظ على الموارد الطبيعية، وفي هذا السياق يتوجب إلحاق نظم الزراعة المعتمدة على إنتاج الحبوب بركب التحول إلى ممارسات مستدامة، لتلبية الطلب غير المسبوق على الذرة، والأرز، والقمح.
2 التكيف مع تغير المناخ، والظواهر الجوية المتقلبة، الناجمة عن الاحتباس الحراري، وذلك من خلال تقليص كميات المياه المستخدمة في ري المحاصيل الثلاثة المذكورة، إلى جانب التقليل من استخدامات الوقود الأحفوري، والمواد الكيميائية الزراعية.
3 مواجهة تهديدات الجفاف، والآفات والأمراض البازغة، ومكافحتها بطرق زراعية فعالة، للتقليل من آثارها السلبية على مستوى الإنتاج، ونوعية المحصول وجودته.
4 إيصال المنافع الاقتصادية لـ500 مليون مزرعة أسرية صغيرة الرقعة على مستوى نطاق الكرة الأرضية. وتتوقع الفاو أن تفرض السنوات المقبلة على المزارعين زيادة الإنتاج السنوي، بأكثر من نصف مليار طن من سجل الحصاد المجمع للمحاصيل الثلاثة بمقياس 2013، ولبلوغ ذلك، ترى المنظمة أنه يتعين الاعتماد على كميات أقل من المياه والوقود الأحفوري والمواد الكيميائية الزراعية، والحد من تدهور الأراضي الزراعية على نطاق واسع بفعل عقود من الإنتاج المكثف.
وركز اجتماع المنظمة على الذرة، والأرز، والقمح، باعتبارها محاصيل أساسية للأمن الغذائي العالمي، وتوفر 50% من إمدادات الطاقة الغذائية للبشرية جمعاء.
وتتعرض الحبوب إلى تهديدات متعاظمة، فمنذ 1980، خفضت الاتجاهات المناخية محصول الذرة العالمي السنوي بنحو 23 مليون طن، ومحصول القمح بمقدار 33 مليون طن.
وتراجعت زيادات الغلة المتحققة في ظل الثورة الخضراء من محاصيل الحبوب، بعدما بلغت متوسطا مذهلا نسبته 3% سنويا، إلى 1% منذ 2000.
آسيويا، أثار تدهور التربة وتراكم السموم في نظم إنتاج الأرز المكثف، مخاوف من أن التباطؤ في نمو غلة المحصول يعكس بيئة زراعية متدهورة باستمرار.
واتفق الخبراء، على أن القطاع لم يعد بإمكانه الاعتماد على الزراعة كثيفة المدخلات لزيادة إنتاج المحاصيل، ولا بد للأصناف المحسنة من أن تواكب ما تدعوه المنظمة بمبدأ “الحفظ والتوسع” في النظم الزراعية للحفاظ على التربة في حالة صحية، ودمج المحاصيل والأشجار والإنتاج الحيواني معا، واستخدام المياه على نحو أعلى كفاءة، وحماية المحاصيل من خلال المكافحة المتكاملة للآفات.
واستعرض الاجتماع جملة من التقنيات الزراعية القائمة على النظم الإيكولوجية، التي أمكن التدليل على صلاحية أساليبها ونتائجها، ففي فيتنام، اعتمد أكثر من مليون من صغار المزارعين نظام تكثيف إنتاج الأرز، لإنتاج غلة عالية باستخدام أقل كميات من الأسمدة والمياه والبذور مع أصناف الأرز المروي التقليدية.
صينيا، قلصت أصناف الأرز المتنوعة وراثيا المزروعة في نفس الحقول، من معدلات الإصابة بالأمراض الفطرية على نحو ملحوظ، مقارنة بالأرز المزروع أحاديا، بحيث تمكن العديد من المزارعين من التوقف عن رش مبيدات الآفات كليا.
ومكنت إدارة المواد الغذائية في مواقع محددة بجنوب الهند، من مطابقة مدخلات النتروجين (الآزوت) مع الاحتياجات الحقيقية للنباتات، وتقليص كميات الأسمدة وخفض التكاليف، وبالتالي زيادة غلة القمح 40%.
مغربيا، نجحت البلاد في اعتماد أسلوب الامتناع عن حرث التربة في زراعة القمح، وخفض جريان المياه السطحي 30%، والحيلولة دون فقد الرواسب بنسبة 70%، مما رفع قدرة الاحتفاظ بالمياه وعزز إنتاجية المحاصيل بالمواسم الجافة.
التحدي الذي يواجه صناع القرار اليوم، يتمثل في الإسراع باعتماد نهج الحفظ والتوسع في النظم الزراعية، ومن بين الاحتياجات الواضحة التي لوح بها في الاجتماع يبرز الدعم الأكبر لصغار المزارعين في التكيف مع الممارسات الزراعية المستندة إلى النظم الإيكولوجية وفي ظل الظروف المحلية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في السياسات الوطنية والنهوض إلى حد بعيد بالخدمات والنهج، التي تقلل من تكاليف المعاملات المطلوبة لتبادل المعارف والإرشاد، وفي مقدمتها المدارس الحقلية للمزارعين.
حضر اجتماع الفاو 50 مختصا في إنتاج المحاصيل، وستصدر نتائجه في دليل مصمم لواضعي السياسات، بعنوان “الحفظ والتوسع” في 2015.