حدثني صديقي السعودي أنه جلس بجانب إيرلندي في الطائرة، وتشعب بهما الحديث عن الغرب والعالم، وسأل الإيرلندي صديقي، ما رأيك في شيوع القيم الغربية (حرية الرأي، حرية الدين، الديمقراطية، العدالة، المساواة، إدانة العنصرية...) واعتبارها مرجعية عالمية؟ رد صديقي: لي تحفظات كثيرة عليها، لكنها حقيقة أفضل ما يُدار به العالم اليوم. عند الأمم الأخرى قيم جميلة لكنها ما زالت حبيسة الأدراج والصدور! ما لم تنجح أمة في تقديم واقع جميل وجذاب مستمد من قيمها، فإن القيم الغربية هي أفضل الموجود.
عند الحديث عن عدالة الغرب، تبرز قضية الاستعمار والعبودية، وكان له تاريخ سيئ جداً، لكن الغرب من تلقاء نفسه تدارك الخطأ واعتذر عن الماضي وهو من تلقاء نفسه سن قوانين وأجبر العالم ككل على ترك العبودية، وأصبح التعيير أو الحرمان من الوظيفة بسبب اللون جريمة يعاقب عليها القانون، هل فعلت ذلك أمة من الأمم؟ لا أتحدث عن ممارسات عادلة حدثت في التاريخ هنا وهناك وإنما عن نظام سار وواقع معاش منذ عقود.
ما حدث في أبوغريب شيء بالغ السوء، لكن على مدار التاريخ كان الغزاة يفعلون أكثر من هذا، لكن القيم الغربية التي تحكم أمريكا وغيرها من دول الغرب، تفرض قيودا عليها، لنتخيل أن من يحكم العالم سوريا أو إيران أو الصين أو روسيا، سوف نشهد أفظع مما حدث في أبوغريب ومن دون تحقيق أو اعتذار.
هيئة الأمم مثال على تجسيد قيم الغرب، وكان لها دور فعال وإيجابي جدا (على الرغم من وجود قصور لديها)، ولك أن تتصور أن معدل الحروب في العالم قل كثيرا بعد إنشائها، الدول الغربية تؤمن بالحوار والتفاهم واتباع الطرق السلمية.
لما حدثت نكبة 67، قامت المنظمات الفلسطينية بخطف الطائرات كنوع من المقاومة! ماذا استفادت؟ لا شيء، خسرت تعاطف العالم مع قضيتها الإنسانية، والمنظمات الجهادية تكرر نفس الخطأ؟ حدثني صديقي الأسترالي عن حادثة بالي وكيف ذهب ضحيتها أناس أبرياء، قال لدينا نظام قضائي مستقل وحرية تعبير، بدلا من التفجير في أناس أبرياء، أنشئ صحيفة واعرض ما لديك، لدينا حرية رأي لا يحلم بها العرب والمسلمون في بلدانهم، اذهب إلى المحكمة في إحدى دول الغرب، وارفع قضية، تصرف كإنسان متحضر وليس كهمجي.
بخصوص حرية الرأي في الغرب، لها جوانب سيئة من نحو الإساءة للمقدسات، لكن بالمقابل فوائدها أفضل بكثير ومن عاش في إحدى بلاد الغرب يعلم أنها نعمة لكل الناس.
قد يعتبر البعض تعاطف الغرب مع ما حدث في شارلي وبروده في سوريا تناقضا، لكن للأسف، السوريون والعرب والحكومات الإسلامية منقسمون فيما بينهم حيال سوريا، كيف تريد من الغرب التوحد حكومات وشعوبا تجاه ما يحدث في سوريا؟ لكن حادثة شارلي هناك إجماع عالمي عليها، مع التأكيد بأن بإمكان الغرب فعل المزيد في سوريا.
كيف نريد من الشعوب الغربية أن تدفع طواعية من أموال الضرائب، لتساعد شعوبا تلعنها ليلا ونهاراً وتفتخر بتفجير طائراتها وقطاراتها وقطع رؤوس صحفييها أمام الشاشات؟
لو لم يكن هناك عدالة وإتاحة فرص للجميع في الغرب، هل كان هناك شخص مثل باراك أوباما من خلفية متواضعة يستطيع الوصول إلى أهم منصب سياسي في هذا العصر؟
الجالية الإسلامية في الغرب بدأت تدرك أهمية الاستفادة من الطرق السلمية للوصول إلى ما تريد، بدلاً من أساليب التفجير والقتل، وبدأت تحقق نجاحات جيدة، الغرب لا يريد أن يظلمك، يريد فقط أن تتبع الطرق الصحيحة لعرض مطالبك.
المسار الذي اتخذته كوريا الجنوبية بالسير على النمط الغربي هو الذي جعل وضعها مختلفا تماما عن وضع كوريا الشمالية التي تنكرت للقيم الغربية.
لو لم تكن القيم الغربية مناسبة للجميع، لما أعجب بها الملحد الصيني، والهندوسي الهندي، والبوذي الياباني، واليهودي الروسي، والمسلم العربي، إنها أفضل ما هو موجود.