في رحاب "مكة"

«مكة»، تلك الصحيفة الجديدة، هي صحيفتي وسأملؤها بما شئت، مع الأخذ في الاعتبار أن حرية التعبير لا تتضمن خرق القوانين أو تحدي الأعراف، وأنا أقدم بضاعتي للقارئ، الذي هو منبع قيمتي، والحكم في النهاية للتيار العام، وليس لشريحة بعينها، لأنه بجانب أن إرضاء الجميع مستحيل، فإن محاولة فعل ذلك عبث!
جميعنا يعلم أنه «لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»، هذه ثقافتنا، ومع ذلك فإن بعض القراء في بلداننا لم يستوعبوا بعد فكرة «جون ستيوارت ميل» أنه «إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً واحداً وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأياً مخالفاً، فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيامه هو بإسكات كل البشر إذا توافرت له القوة». ولكن البعض يستفيد من «قبح» الحال ويسعى إلى «كبح» الحريات ويفرح بـ»نبح» المرتزقة الداعين إلى «ذبح» الأفكار!.
على مستوى ثان، فالبعض يكتب «أي كلام» أو «طق حنك» ويتحجج بأن سقف الجرائد منخفض، فحجة البليد انخفاض السقف، مع العلم أنه يمكننا بكل بساطة أن نتخطى الأسقف ونصعد فوق السطوح لنقول ما نريد، فعظمة الإنسان أن يُبدع من بين القيود، فالأصل هو الإبداع في الكتابة لأي جريدة، وليس أي كتابة في جريدة تمنع الإبداع، أو الكتابة للجريدة التي تسمح بأي إبداع! البعض يضع العربة أمام الحصان ويبدأ في البكاء، مع العلم أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب العقل الابتكاري الذي يجعل الحصان يدفع بدلاً من أن يجر!
أما على مستوى الصحف نفسها، فالعالم العربي مليء بصحف لا تزيد قيمة بعضها عن صحيفة الحالة الجنائية لأصحابها، وبعضها الآخر إضافات لامعة في تاريخ الصحافة العربية، وآمل أن «مكة» ستكون من هذا النوع الأخير.
الكتابة في «مكة» حدث مفرح، لكنه يشعرني أنني تقدمت في العمر؛ فـ»مكة» -في طفولتي بمدينة الإسكندرية المصرية- كانت تمثل محلا شهيرا يحمل اسمها أحببت زيارته، ثم كبرت قليلاً وعرفتها مدينة جميلة تمنيت رؤيتها، ثم كبرت كثيراً لتتحول إلى جريدة أكتب بها وأرجو أن أضيف إليها. صحيح أن أهل «مكة» أدرى بشعابها، لكنني أزعم أنني سأكون قادراً على الخوض في دروبها بنجاح.. نلتقي الأسبوع المقبل، في رحاب «مكة».
