قد يتساءل القارئ قائلاً: وهل للفساد سوى الموقف الحازم؟ والصحيح أن الحزم لا يعني الإفراط ولا التفريط، والاعتدال يقتضي الوسطية بلا تهوين للفساد فضلاً عن إنكار وجوده ولا تهويل له وتعميم التهم به، ولذا كان عنوان هذا المقال عنواناً لحلقة السبت الماضي لبرنامجي الأسبوعي المباشر (معتدلون) في قناة صلة الفضائية، كما أن رئيس هيئة مكافحة الفساد حضر لدينا في مجلس الشورى صباح الاثنين الماضي لهذا الشأن.
وكما أن هناك الفساد المالي، فهناك الفساد الإداري، وكذلك الأخلاقي، وأخطره الفساد الفكري الذي ينتشر بسببه بقية أنواع الفساد، ومن تجفيف المنابع والوقاية الاستباقية أن نؤمن أولاً بوجود الفساد، ونعزم ثانياً على مكافحته، وفي نفس الوقت لا نبالغ حتى لا يصدق فينا قوله عليه الصلاة والسلام «من قال هلك الناس فهو أهلكهم».
فالفساد إذا كان يحتاج لهيئة ونظام لمكافحته، فإنه قبل ذلك يستلزم الإرادة والإصرار على مقاومته، وحماية الفاعلين في حربه، وحراسة ظهورهم من المنتفعين من الفساد والمتضررين من المكافحة.
والجميع يقر بوجود الفساد ولكن يختلفون في حجمه، كما أن الكل يرغب في مكافحته وعلى الأقل ظاهرياً، ولكن عند الممارسة تكون هناك تطورات قد تصل عند البعض إلى حد التناقضات.
وإذا كنا نشكو من الفساد، فلا يسوغ أن نشكو مكافحيه في نفس الوقت، ولا بد من تحمل ما يحصل في تلك المسيرة الوطنية من تجاوزات محدودة حسنة النية، لأن الهدف سامٍ.
وبما أننا في زمن تاريخي فُتح الباب فيه للتواصل والنقد، فيجب علينا جميعاً تفهم الآليات الحديثة التي ربما يساء استخدامها من البعض، إلى حين التهذيب والتنظيم، إما الذاتي بالتربية، وإما القانوني بالجزاء.
ومن هذه المنطلقات نجد أنفسنا خلال هذه المرحلة نعيش في فاعلية وجاهزية لوسائل الإعلام بأنواعها المرئية والمسموعة وخصوصاً المقروءة من الصحف الورقية والالكترونية، والتي أراها تحقق المصلحة العامة للمجتمع عبر النقد الفاعل وقيامه بواجب الرقابة والنصيحة.
إلا أننا نلحظ وجود طرفين ووسط في المسيرة الوطنية للإصلاح ومكافحة الفساد؛ حيث نجد من يطلق لقلمه العنان بلا زمام ولا خطام، وبدلاً من أن يكون خطابه للنقد (الإيجابي) إذ به يكون للانتقاد (السلبي)، فالنقد فعلٌ والانتقاد افتعال، ولذا قال عليه الصلاة والسلام «المؤمن مرآة أخيه» لما فيه من نقد إصلاحي، لكن في المقابل هناك من يتوجس ويناكف حتى النقد الإيجابي وكأنه يريد تكميم الأفواه، وحسبنا قوله صلى الله عليه وسلم «الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس».
وأكثر ما يعيق النهضة وجود هذين النوعين في المجتمع، حيث نرى من جهة كتّاباً يقفزون من النقد البناء إلى الانتقاد الهدام، والآخر المنقود لا يقبل صرفاً ولا عدلاً ويخلط بين الناقد والمنتقد.
ولا أخفي فرحي حين أجد صحافتنا وقد قامت بدورها الوطني في تفعيل دورها الرقابي، حتى بات الجميع يحسب لها الحساب، ومن لم يردعه دينه وضميره فيردعه الخشية من الناس الذين يكتشفون حقيقته عبر الدور الحضاري للصحافة.
وفي نفس الوقت لا أخفي ترحي حين أجد من البعض وقد قام بافتعال القضايا لمصالح شخصية أو لمشاغبات غوغائية، وعلى حساب المصلحة العامة، في حين أن لدينا الكثير مما ينبغي الحديث عنه ونقده المخلص، وهو مما لا ينكره أحد.
وأتساءل قائلاً: لماذا نخاف من النقد؟ ما دام أنه ليس بانتقاد، فإن كان ما قيل صحيحاً فرحم الله من أهدى إلينا عيوبنا، وإن كان غير صحيح فلا يسوغ السكوت ويجب المبادرة بالبيان، لأن النقد كالشمس التي تعقم كل مكان تدخل فيه، ولكن الأماكن المستترة تتآكل بالعفن.
الموقف المعتدل من مكافحة الفساد
عيسى الغيث3 دقائق للقراءة

حجم الخط
