الإحصاءات المتعلقة باستخدام السعوديين لوسائل التواصل الاجتماعي أقل ما تُوصف بأنها «صادمة» و»مثيرة»!، فموقع «تويتر» الشهير –مثلاً- أعلن أن معدل نمو المغردين السعوديين تجاوز ثلاثة آلاف بالمئة؛ إذ ثلاثة ملايين مستخدم لتويتر يمثلون 12% من سكان المملكة ينشرون مليونا ونصف المليون تغريدة يومياً، وهناك ستة ملايين في المملكة يستخدمون «فيس بوك»، كما أن السعوديين يستعرضون (190) مليون مشاهدة يومياً عبر موقع «يوتيوب»، ورغم كل هذه الأرقام والإحصاءات هناك من يقول لهم: من أنتم؟!
العجيب في الأمر أن الأرقام والإحصاءات السابقة تلفت نظر مراكز البحوث والدراسات الإقليمية والدولية عند سردها واستعراضها أكثر مما تثير لدينا التساؤلات المعرفية للوقوف على أسبابها وظروف تكونها وسبل التعامل معها وتوظيفها، بل إنه تجاهل لا يمكن تسويغه في ظل كون تلك الوسائل أصبحت هي المنصات الالكترونية لجيل الشباب، فملؤوا الدنيا وشغلوا الناس للتعبير عن تطلعاتهم وأفكارهم ورؤاهم المعتدل منها والمتطرف، المنطقي منها والمبالغ فيه، وإن كان ثمة دراسات لدينا فإنما هي محصورة داخلة أروقة الجامعات بهدف الحصول على درجة علمية أو ترقية، وقد تكون هناك دراسات غير معلنة لبعض الجهات الحكومية المعنية ولكن واقع تعامل معظمها مع وسائل التواصل الاجتماعي يشير إلى أن تلك الدراسات إما أنها غير مفيدة، أو أنه تم اجتزاؤها والاقتصار على تطبيق الجانب الأسهل منها، أو أنها وضعت فوق أحد الرفوف أو داخل أحد الأدراج!
ما يدعوني إلى المطالبة بإعداد دراسات مكثفة يشارك فيها المتخصصون من الإعلام والعلوم الاجتماعية والنفسية وكافة التخصصات المعنية حول تعاطي الشباب مع وسائل التواصل الاجتماعي هو ما تشهده هذه الوسائل من احتقان وتجاذب ونقاشات محتدمة تصل إلى مرحلة التطرف في طرح الفكرة ووجهة النظر، ومهاجمة الآخرين، وتسفيه الآراء، والطعن في المعتقدات، والتشكيك في الوطنية، وإلقاء التهم جُزافاً، إضافة إلى علو النبرة السلبية والانتقادية، وضعف مستوى الرضا عن كل ما يحيط بنا، فكل المشاريع متعثرة، والخدمات ضعيفة، والقرارات متسرعة لا تخدم المواطن، والشوارع والخدمات البلدية والبنية التحتية متهالكة، والأخطاء الطبية حاضرة في كل مستشفى ومركز طبي، والعملية التعليمية متدهورة... لا شك أنها نظرة مجحفة ولا ترى الواقع المحيط بنا إلا بعين السخط (ولكن عين السخط تبدي المساويا)، ولست في معرض الدفاع عن أداء الجهات الحكومية التي يعتورها الضعف والقصور والخلل، ولكن لا يمكن أن أتخيل أنها لم تقدم شيئاً إيجابياً للوطن والمواطن، كما لا يمكن أن أتخيل أن المطلوب من المشاركين في وسائل التواصل الاجتماعي هو تبجيل تلك القطاعات والثناء على أدائها والجهود التي قامت بها لأسباب سيرد ذكرها في ثنايا المقال.
إن ما سبق الحديث عنه يدعوني إلى التساؤل: هل ما يطرح في وسائل التواصل الاجتماعي يمثل وجهة نظر المجتمع الحقيقية والمتوازنة؟ أم إنها تمثل النظرة العوراء التي لا ترى إلا الجوانب السلبية؟ وهل تمثل تلك الوسائل توجهات كافة شرائح المجتمع واهتماماتها أم أن الصوت الأعلى فيها هو لفئات دون أخرى؟ وهل يمكن أن نعد تلك الوسائل مرآة للمجتمع تعكس الوجه الحقيقي له؟، وبمعنى آخر لو افترضنا أن شخصاً من جمهورية بتسوانا - التي سُمح لنا مؤخراً بدخولها بدون تأشيرة! – تعمق في نقاشاتنا عبر تلك الوسائل فهل سيتمكن من بناء تصور مقارب لواقع المجتمع السعودي معيشياً وفكرياً وثقافياً وتنموياً؟!.
لا شك أن إيجاد مقاربات علمية ومنطقية للتساؤلات السابقة تتطلب النظر بتمعن إلى أهم أطراف العملية الاتصالية (المرسل – المستقبل - الرسالة - الوسيلة)، وهو ما سنتناوله في المقالة القادمة.
من أنتم؟!
عبدالله الجريفاني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
