تسعة أشهر من الدبلوماسية بقيادة الولايات المتحدة تركت الإسرائيليين والفلسطينيين أقل تفاؤلا من أي وقت مضى حيال التوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهي نحو قرن من الصراع. وبرغم إمكانية العثور، بطريقة ما، على صيغة تطيل من أمد المفاوضات إلى ما بعد موعدها النهائي نهاية أبريل الحالي، فإن المفاوضات على شفا الانهيار والبحث جار الآن عن أفكار جديدة.
جهود وزير الخارجية الأمريكية جون كيري كشفت عن خلافات واسعة: تقاسم القدس، وتسوية أوضاع الملايين من أبناء اللاجئين الفلسطينيين والحدود، ويبدو أن الجانبين ليسا قريبين أبدا من إمكانية التوصل إلى اتفاق. والخميس الماضي، أعلنت إسرائيل أنها أوقفت المحادثات ردا على قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل يوم عن تشكيل حكومة وحدة مع حركة حماس الإسلامية والتي تعتبرها والغرب منظمة إرهابية.

وقال الوزير الحمائمي عمرام متسناع، الجنرال السابق الذي تولى شؤون الضفة الغربية “لسوء الحظ، ووفقا للظروف الراهنة، يبدو من غير الممكن التوصل إلى نهاية للصراع، أو لنقل بلغة أكثر شاعرية، التوصل إلى اتفاق سلام”.
أما محمد المدني القيادي البارز في حركة فتح فقال إن الرئيس عباس أبلغ وفدا من السياسيين الإسرائيليين الزائرين أن الفلسطينيين “لا يستطيعون مواصلة المحادثات بدون طائل”. وأضاف أن الفلسطينيين سيضغطون بتقديم طلبات الانضمام كدولة إلى وكالات ومعاهدات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، وهي استراتيجية تهدف إلى ترسيخ وجهة النظر القائلة بأن كافة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967 تعد “دولة” أجنبية وليس، كما يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أراض متنازع عليها.
كما من المرجح أن تتصاعد جهود الفلسطينيين ومؤيديهم في العمل على مقاطعة إسرائيل اقتصاديا. وثمة قلق متنام من اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة. هذا الأسبوع، دعا الجناح العسكري لحركة فتح “المقاومة المسلحة لتحرير كامل التراب الفلسطيني” في لغة لم تسمع منذ أكثر من 25 عاما.
بعض الإسرائيليين، مثل وزير الاقتصاد نفتالي بينيت، يدعون إلى ضم عقابي لأجزاء من الضفة الغربية، فيما يبدو أنه مجرد تهديد أجوف لا يرمي إلا إلى إثارة المزيد من الغضب.
يمكن أن نتوقع أن تقوم الأحزاب السياسية المعتدلة في إسرائيل بمحاولة الإطاحة بنتنياهو، إما عن طريق فرض إجراء انتخابات مبكرة، أو تنظيم غالبية بديلة في الكنيست تكون أكثر استعدادا للتعاون مع الفلسطينيين. وهذا أمر لا يمكن استبعاده، كونها (أي الأحزاب) تسيطر على نصف الكنيست تقريبا، واليمين الإسرائيلي منقسم والقلق في البلاد مستعر. تحت السطح ثمة قوة ناشطة تعمل: تيار متنام في إسرائيل يقول إنه بطريقة أو بأخرى على البلاد أن تفصل نفسها عن الفلسطينيين وبحدود حقيقية. وإن لم يحدث ذلك، فإن الأراضي المحتلة ودولة إسرائيل ستنتهيان إلى كيان واحد مع 12 مليون نسمة نصفهم من العرب، ما يتناقض والنظرة الصهيونية القائلة بيهودية إسرائيل.
في هذه الأثناء، الوضع يتسم بالفوضى: بعض العرب في إسرائيل يحملون الجنسية الإسرائيلية فيما أولئك القاطنين في الضفة الغربية، الذين تسيطر إسرائيل على أراضيهم ومواردهم المائية، لا يحملونها. ومع ذلك فالضفة الغربية ليست رسميا في إسرائيل، الدولة أقامت المستوطنات هناك وسكانها يصوتون في الانتخابات الإسرائيلية. المستوطنون يستطيعون دخول الضفة والخروج منها، فيما لا يستطيع الفلسطينيون ذلك. الوضع لا يمكن أن يدوم، وبدا يطلق مقارنات مع جنوب أفريقيا إبان عهد الفصل العنصري حتى في إسرائيل ذاتها.
وهنا بعض الاتجاهات التي قد يسلكها مسار الخطاب:

تسوية جزئية

يدعو متسناع ومجموعة أخرى من بينهم الوزير السابق يوسي بيلين مهندس اتفاقات أوسلو التي قامت بناء عليها السلطة الفلسطينية، إلى ترتيبات موقتة يحصل من خلالها الفلسطينيون على دولة في معظم وليس كل الأراضي التي يطالبون بها. ولن يحصلوا على شيء فيما يتعلق باللاجئين لكن لن يكون عليهم التخلي عن أي مطالب أخرى أيضا.
ويخشى الفلسطينيون أن تختفي دوافع إسرائيل للتنازل عن أي شيء إذا تحررت مما يطلق عليه الإسرائيليون “الخطر الديموغرافي”.
وقال توفيق الطيراوي المسؤول في حركة فتح “إقامة دولة بحدود موقتة هي خطة لن نقبلها أبدا. من تجاربنا مع إسرائيل فإن الموقت يصبح نهائيا”.
ويتعين على إسرائيل أن تقدم مغريات جدية لتتغلب على مثل هذه الاعتراضات. وقال المعلق الإسرائيلي المخضرم إيهود يائير “يتعين علينا أن نقدم عرضا سخيا للغاية يدفع العالم لأن يقول للفلسطينيين: لا يمكنكم رفض هذا”. وتتضمن مثل هذه المغريات ترتيبا جديدا في البلدة القديمة التي تحيطها الأسوار في القدس وهي قضية تعرقل حتى الآن فكرة التسوية النهائية. وقد توافق إسرائيل بدلا من هذا ضمن اتفاق موقت لفرض وصاية مشتركة على المنطقة بما فيها من مواقع مسيحية ويهودية وإسلامية مقدسة، ربما مع ضم دول إسلامية أخرى وقوى خارجية لتمثل نوعا من فاتيكان للأراضي المقدسة. وهذا سيكون جائزة رمزية كبيرة حتى لو أنها تركت المسألة مفتوحة فيما يتعلق بباقي القدس الشرقية الملاصقة للبلدة القديمة التي يطالب الفلسطينيون بها عاصمة لهم.
وقال بيلين “ستكون طريقة شيقة للغاية للتعامل مع هذا الموضوع. السؤال يتعلق بما إذا كان هناك حكومة في إسرائيل ستكون مستعدة للتفكير بهذه الطريقة أم لا”.

انسحاب أحادي

هناك الكثير من الإسرائيليين الذين لا يستطيعون استشراف أي نوع من اتفاقات السلام لكنهم ما زالوا يخشون القضية الديموغرافية لدرجة تدفعهم إلى أنهم يريدون الانسحاب.
وإرييل شارون، الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2001 و2006 وكان من بين الصقور لفترة طويلة، خلص في نهاية المطاف إلى أن استمرار الاحتلال سيئ لإسرائيل. وأصاب شارون الجميع بالصدمة عندما أمر الجنود الإسرائيليين بالانسحاب من قطاع غزة وطرد نحو عشرة آلاف مستوطن يهودي يعيشون هناك. وبذلك تخففت إسرائيل من عبء حكم 1.5 مليون فلسطيني في قطاع غزة بالتنازل عن جزء صغير من الأراضي.
ودخل شارون غيبوبة طويلة بعد سكتة دماغية في بداية عام 2006. وفاز خليفته إيهود أولمرت بالانتخابات بعد ذلك بشهور قليلة بناء على وعده بأنه سيكرر عملية الانسحاب في الضفة الغربية التي يوجد بها نحو 2.5 مليون فلسطيني.
لكن هناك قيمة أكبر للضفة الغربية التي تشكلت حدودها بناء على هدنة تلت حرب عامي 1948 و1949 التي أقيمت على أعقابها دولة إسرائيل. فمرتفعاتها تدخل في قلب إسرائيل لمسافات طويلة ليصبح اتساع الدولة العبرية بضعة أميال فحسب في أضيق النقاط وهي تحيط القدس من ثلاثة جوانب وهي مليئة بالمواقع التوراتية. بالإضافة إلى هذا فإن الانسحاب من غزة لم يحقق السلام على الحدود. ففي عام 2007 فرض نشطاء حماس سيطرتهم على القطاع ومذاك وإسرائيل تتعرض لوابل من الصواريخ من حين إلى آخر وخاضت إسرائيل حربين صغيرتين مع حماس.
لكن فكرة الانسحاب من جانب واحد ما زالت قائمة، من خلال وضع حدود تدمج على الأرجح بعض أراضي الضفة الغربية في إسرائيل لتتضمن بعض المستوطنات ثم يفكك الباقي دون انتظار اتفاق فلسطيني أو تعويض.
وقال مايكل أورين السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن “يتعين على إسرائيل أن تأخذ مصيرها بيديها وتعلن ما هي حدودنا”. وأضاف أن هذا ضروري “للحفاظ على هويتنا كدولة ديمقراطية ويهودية”.
وقال عمير بارليف عضو حزب العمال في الكنيست الإسرائيلي إن إسرائيل يجب “أن تخلي المستوطنات فيما يتجاوز هذه الحدود. بقدر ما يعنيني الأمر فلتدعهم يقيمون دولة هناك”.
لكن ماذا عن التهديد الصاروخي؟ ربما تقرر إسرائيل إبقاء الجيش في موضعه حتى في الجانب “الفلسطيني” من الحدود آخذة في الحسبان أن الاحتلال العسكري يمكن تغييره سريعا إذا تغيرت معادلة المخاطر.
وسترفض جماعات الضغط الخاصة بالمستوطنين انسحابا وستثير ضجيجا يتسبب في اضطرابات في وقت ما. وبالنسبة للفلسطينيين فإنهم يعارضون بشدة رسما إسرائيليا للحدود من جانب واحد لكن سيسعدهم أن يروا المستوطنين يرحلون ولن يتعين عليهم تقديم شيء في المقابل.

دولة واحدة

إذا لم يكن هناك فصل فإن الحل المنطقي طويل الأمد سيكون فيما يبدو هو قيام دولة واحدة للفلسطينيين والإسرائيليين لا يكون لأي منهم حقوق سامية على الآخر. ويستبعد معظم الإسرائيليين هذا الحل باعتباره غير مستساغ لكن التاريخ قد لا يطلب من إسرائيل وجهة نظرها.
فإلى أي مدى يستطيع الإسرائيليون الإصرار على أنه فيما يتجاوز حدود 1967- التي نادرا ما يحترمونها هم أنفسهم ويفكرون في إقامة مستوطنات فيها، يتعين أن يكون هناك نظام حكم مختلف عما هو مقبول في إسرائيل أي نوع من الحكم ينكر فيه على الفلسطينيين الحقوق الديمقراطية الكاملة على خلاف إخوانهم داخل الحدود الرسمية للدولة؟
حتى الكثير من الإسرائيليين يرون الآن إقامة دولة ديمقراطية واحدة أمرا لا مفر منه. بعضهم من اليساريين الذين يكرهون دوما الحس القومي الكامن في تأسيس دولة يهودية. وآخرون لا يستطيعون أن يقبلوا التخلي عن الأراضي في الغالب لأسباب دينية ثم هناك آخرون يئسوا ببساطة من احتمال العثور على مخرج.
وأشار عباس إلى هذا في اجتماع قبل عدة أيام مع مشرعين إسرائيليين مهددا “بتسليم مفاتيح” الحكومة الفلسطينية ليلزم إسرائيل بالسيطرة المباشرة على ملايين الفلسطينيين ويتركها تتولى أمرهم بنفسها.
وقال الطيراوي “الحلول الواقعية الوحيدة هي إقامة دولتين أو دولة واحدة. إذا ظلت إسرائيل تبني في أراضينا فإن السلطة الفلسطينية ستنهار ثم سينتهي بنا الأمر إلى دولة واحدة للشعبين. وأعتقد أن هذا سيكون أكثر واقعية”.