إذا كانت بعض الشعوب تجعل الحديث عن الطقس مدخلاً لأي حوار عابر في صالات الانتظار أو على مقاعد الطائرة، فإننا - على الأقل في العقد الأخير- اتخذنا من (الفساد) مدخلاً لفتح أي حوار أو نقاش أو حتى ثرثرة عابرة بين غرباء!
طبعاً أنا لستُ ضد الحديث عن الفساد، لكنني ضد الحديث عنه بانتقائية كما يحصل -غالباً- في أحاديثنا سواء في المجالس أو الإعلام، فغالباً من ينتقد الفساد ويشتمه هو من تضرر منه بصورة مباشرة، أما عندما يرى فساداً لا يمسّ مصلحته بشكل مباشر فإنه يتطوع بإعطائك محاضرة طويلة ومؤثرة عن عقوبة (قطع الأرزاق) وعن فضيلة (التسامح)، ويختم بـ(اللزمة) ذات الخصوصية الشهيرة (يا أخي خل الناس تعيش)!
في الجانب الآخر نرى ونسمع كثيراً من الموظفين في الإعلام والمجالس من يتكلم بحرقة عن الفساد، لكنه بانتقائية مقصودة يحدثك عن الفساد في الجهات التي ليس من ضمنها الوزارة أو الهيئة التي يتبع لها، وإن كان إعلامياً أو مسؤولاً مرموقاً فإنه وكي لا يغُضب أحداً يتجه إلى الحديث عن (الشبوك)، فهذه يتفق الجميع عليها، ويبارك لك شجاعتك، ولا يطلب منك أحد الدليل، والأهم أن ليس بيد المتحدث طريقة للإصلاح، ولهذا أقول إن الحديث (بانتقائية) عن الفساد هو بالضرورة فساد أعظم، ولهذا يسوقني التشاؤم كثيراً وأقترب من الإيمان بمقولة الشاعر والكاتب الساخر عايض الظفيري عندما قال: (لا يوجد مواطن نزيه وآخر فاسد، يوجد مواطن فاسد وآخر ينتظر الفرصة كي يصبح فاسداً!).
وأنا هُنا لا أقول إن الجميع شركاء بالفساد الإداري والمالي، لكنهم مشتركون بالفساد بشكل عام، فمن لم يكن شريكاً أو متواطئاً بالفساد الإداري والمالي فإنه يدخل دائرة الفساد من بوابة الفساد الأخلاقي، ولهذا أشعر برعب وأنا أحاول أن أُقارن بين الفاسد الشجاع، والنزيه الجبان.
والإشكالية أن الكثير من الأبواب المؤدية لقاعة الفساد العظيمة يمكن الدخول منها عبر مبررات اجتماعية كثيرة، بل وللأسف إن هذه المبررات مقبولة، فما نعتبره فساداً إدارياً يعتبره كثيرون في المجتمع بطولة و(مرجلة) والفاعل هو (ذئب) وليس (نعامة) تخاف من صفير الأنظمة، ولعل الجميع يذكر ما نُشر هنا في هذه الصحيفة عن وجود هيئة كاملة كل موظفيها من (عصبة واحدة)، بل من عائلة واحدة، إذ تحدّث الخبر عن غياب جماعي لكافة موظفي الهيئة عند وجود حالة وفاة لأحد أقارب الموظفين، أي قريب لكل الموظفين، لا أدري ما تم بعد نشر الموضوع، لكنني أعرف أن كثيرين ينظرون للشخص الذي حوّل الهيئة التي يرأسها لشركة عائلية، وتحوّل دفتر الحضور والانصراف لشجرة نسب للعائلة، أقول إن كثيرين ينظرون له نظرة احترام وتبجيل، والأخطر أن لو كان من بلّغ عن هذه القضية فرد من داخل هذه الهيئة، ومع هذا الصمت تجاه القضية، ماذا سيكون حال من تهوّر وبلّغ عن قضية استغلال نفوذ داخل الإدارة أو الهيئة التي يعمل بها، إجابة هذا السؤال هي التي تجعل الفاسد الشجاع ينتصر، لأن المجتمع - في ظل تباطؤ النظام- ينظر للرجل على أنه (صاحب فزعة) و(من لا خير فيه لجماعته لا خير فيه للآخرين)، فيما النزيه (البطل الحقيقي) فإنه بنظر المجتمع (دبّوس) بلا مروءة، وشخص (حقير) سيتسبب في (قطع أرزاق الآخرين)، وسيجد نفسه منبوذا في مجتمع يتصنّع النزاهة والمثالية، وسيكون بالتأكيد عبرة لكل من تسوّل له نفسه أن يكون سويّاً لا يتحدث عن الفساد لمجرد ضمان الانتباه لحديثه في منتصف السهرة، ولهذا أقول لسيدة أحلامنا (نزاهة) قاتلوا للحصول على ما يخوّلكم للتشهير بالمفسد، وامنحوا المبلّغ عن الفساد وسام (نزاهة)، ويا ليت العقاب يشمل من يثرثر عن الفساد لغرض القيام بدور البطل الجريء!