قبل أن يصل الطرفان، فتح وحماس، إلى القناعة بضرورة الخطوة التي أعلن عنها الطرفان قبل أيام؛ كان الحال الموضوعي للفلسطينيين عموماً، قد وضع طرفي الخصومة أمام خيارات صعبة وانسداد مُحكم، على صعيدي المقاومة والسياسة. لقد فعل المحتلون الإسرائيليون، كل شىء، لكي لا يكون في وسع الفلسطيني أن يُقاتل أو أن يُسالم. أسقطوا فرضيتيْ التسوية والمقاومة المسلحة. وحلّ البؤس على جانبي معادلة الخصومة. ففي الضفة لم يتوقف الزحف الاستيطاني، ولا توقفت عمليات تهويد القدس، وتحولت مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية في الضفة، تدريجياً، إلى بؤر محاصرة في وسط انتشار مستوطنين جامحين لا يكفون عن التعدي على الشجر ودور العبادة والمزارعين وعابري السبيل، فاقتنع الفلسطينيون بلا جدوى التسوية، مثلما اقتنعت حركة «حماس» في غزة، بلا جدوى النيران في هذه المرحلة من تاريخ الفلسطينيين والمنطقة المضطربة!
في النظرة إلى واقع الخصومة على قاعدة أن حماس هي التي تنصلت من الاتفاقات السابقة، وعللت تنصلها باعتراضات على المفاوضات وعلى العملية السلمية برمتها؛ سنجد أن انتكاسة الآمال التي علقتها حماس على المشروع الإخواني في المنطقة، وما تلاها من انحياز حمساوي سياسي وإعلامي ـ على الأقل ـ لحكم «الجماعة» الذي أسقطته هبة الجماهير الشعبية المصرية ثم ساندتها القوات المسلحة؛ قد أدت إلى مفاقمة أوضاع غزة، وإلى شبه إغلاق لها، وإلى غلبة العامل الأمني عند الدولة في مصر، وهي تقاتل متطرفين عُتاة، في سيناء المجاورة، وتخوض معركة مع الإرهاب في البلاد. وبسبب هذا الحال، المعطوف على احتقان شعبي فلسطيني في غزة، راكمته ممارسات حماس في الحكم؛ باتت هذه الحركة التي ساندها جمهور كبير قبل سبع سنوات، تواجه خصمين من صنع يديها: الشعب في غزة، ومصر المعنية بالدفاع عن أمنها واستقرارها، وهي لا تتقبل على حدودها طرفاً عربياً يناوىء خيارات الشعب المصري. ذلك بالإضافة إلى المحتل، وهو العدو الموضوعي، الذي ارتضت أخيراً بمهادنته، دون أن يكون لهذه المهادنة ثمنها السياسي أو أن يكون لها فائدتها على صعيد وحدة الفلسطينيين في معركة السياسة.
ومن عجب، أن هدم الأنفاق المفتوحة على الجانب المصري، وما أحدثه من كارثة على صعيد إيرادات حكومة حماس التي ألغت ما سمته «وزارة الأنفاق»؛ أدى إلى شُح مالي كبير، لم تستطع حكومة حماس معه، صرف رواتب موظفيها الذين يصل عددهم إلى ثلاثين ألفاً. فالإغلاق، وانسداد الأفق السياسي، وعذابات الشعب في غزة، وانهيار الخدمات وانعدام البدائل وتضاؤل الفرص لقيامة أخرى لجماعة الإخوان، وصمود معادلة الهدنة القسرية مع الاحتلال؛ أدت كلها إلى فتح طريق واحد لا بد منه، للوصول إلى وفاق مع طرف آخر، مأزوم لكن الواقع في الأراضي التي يتواجد فيها، أقل شقاء بالنسبة للسكان!
على الطرف الفلسطيني في رام الله، كان الطريق إلى حماس أشبه بالاحتجاج على صلف الاحتلال وعربدته، وتوطئة لخطوة قد تضطر إليها السلطة الفلسطينية في الضفة، وهي أن تضع الاحتلال والأمريكيين والأسرة الدولية في المربع الأول، وهو أن المجموع الفلسطيني يتوافق على هدف الاستقلال والحرية، ولا مسؤولية لشخص أو فصيل أو خيار، عن انهيار العملية السلمية التي يرفض المحتلون تلبية أقل شروطها.
هنا، سرعان ما خرج نتنياهو، الذي لم يلق اعتراضاً على تشكيل حكومة تضم غُلاة المتطرفين الذين لا يعترفون بآدمية العرب قاطبةً؛ لكي يجعل من مجرد الإعلان عن قبول الطرفين الفتحاوي والحمساوي لتطبيق اتفاقيات سابقة؛ سبباً في تعطل عملية سلمية لم تكن جارية أصلاً ولم تسجل نقطة واحدة تدل على صدقيتها. لقد كان أسهل على طرفي الخصومة الفلسطينية، وأكثر رشداً، أن يتوافقا على قواسم مشتركة. فهما طرفان مأزومان، أحدهما أحبطته السياسة التي بشَّر بجدواها، والآخر أحبطته الحرب التي جعلها برنامج عمل. حلّ التدمير بالفرضيتين، لأن الفئة الحاكمة في إسرائيل، هي نفسها التي عارضت التسوية عندما بدأت وكانت في المعارضة، ولما جاءت إلى الحكم ازدادت رفضاً، وإن اتبعت أساليب الخداع اللفظي تدويخاً وخداعاً للوسيط الأمريكي!
إن ما يتمناه الفلسطينيون، هو أن يكون هدف حماس، خياراً استراتيجياً للحلقة الفلسطينية من جماعة الإخوان التي عُرفت بالتشاطر والخديعة. إن لم يكن كذلك، فسيكون الهدف هو فتح معبر رفح، وحل الإشكال مع مصر بدون تلبية المتطلبات الأمنية المصرية، وتحميل السلطة الفلسطينية عبئاً مالياً لن تتحمله، من رواتب وأكلاف موازنة تطويرية وخدماتية. في هذه الحال، لن تتوافر للوفاق شروطه السياسية والاجتماعية والوطنية، وهذا ما يخشاه الفلسطينيون ويخشون ما بعده!