كتاب عظيم، يقبع هناك في تلك الزاوية من المنزل، أو ربما تلك الأخرى! مر عليه زمن طويل لم يقرأه أحد، تراكم عليه التراب.
كل المنازل تحتفظ بنسخة منه أو أكثر، كتاب يزيل الهموم، يريح القلوب، يشرح الصدور، ينير الدروب، يسر النفوس، شفاء للبدن، هو كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، تحدى به الله أبلغ الأقوام بأن يأتوا بمثله فعجزوا.
أبهر كفار قريش فقالو سحرنا محمد!!
كتاب (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) هكذا قال عنه الله عز وجل، هذا الكتاب هيمن على الكتب السماوية السابقة، ونسخها، فهو معجزة!
بنى حضارة إسلامية مثقفة، فمن أخذ به لن يضل، كان دستور أعظم الدول التاريخية السابقة، وما زال هو دستور هذه البلاد المباركة، رفع العرب الذين كانوا يعيشون في جاهلية، رفعهم من حياة الذل والمهانة، إلى حياة العزة والكرامة، لما أخذوا به أوصلهم إلى حدود الأندلس، وصاروا قوة منيعة تهابهم الروم.
لكن لما تركت هذا الكتاب في عصور متأخرة، وهي أحوج ما تكون إلى هذا العز، رجعت إلى عهد الذلة والهوان.
أعجب من الذين يقومون بفتح مواقع التواصل الاجتماعي، ويتوترون ويتوترون، وعندهم كتاب الله، يزيل الهموم والآثام، ويقابلون المحادثات لساعات طويلة ولا يستطيعون قراءة تلك المعجزة الخالدة.
وقد أنشأ خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، مجمعا للمصحف الشريف، يضم كبار العلماء، وأشهر الخطاطين، وأجود الموظفين، لإخراج هذا المصحف المبارك، ويخرج التفاسير المتنوعة، ويخرج مصاحف بجميع القراءات، ويصدر للدول الإسلامية مصاحف وتفاسير بلغة تلك الشعوب.
هذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أُثر عنه أنه قال في آخر عمره وهو في السجن: (وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن).
يا الله.. كل وقت الشيخ بين العلوم الشرعية والوقفات الإسلامية.. ويقول هذا الكلام ونحن ضيعنا أوقاتنا في لهو ولعب.. ولم يحرك ذلك شيئًا في صدورنا!!
وفي الختام يا كرام يقول ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة «وبالجملة، فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر؛ فإنه هو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضى والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأ بالتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه، كررها ولو مئة مرة، ولو ليلة؛ فقراءة آية بتفكر وتفهّم، خير من قراءة ختمة بغير تدبّر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن...»