مرحبا بك أخي القارئ، وأنت صديقتي القارئة.. نحن الآن في مكة، والزمن ما قبل البعثة، والمكان بالتحديد عند الكعبة، حيث كادت فتنة كبرى تقع بين زعماء قريش، والسبب هو خلاف على من يحظى بشرف رفع الحجر الأسود ووضعه في مكانه.
احتد النقاش وعلا صوت الجدل.. هذا يرفع صوته ويذكر بمواقف شرف وعز لعشيرته، وذاك يقول بل نحن من له السبق واليد الطولى في المكارم، وزعيم ثالث يسكت الاثنين ويدعوهما للتراجع أمام نفوذ عشيرته وعلو مقامها بين أهل مكة.
ما الحل إذن في هذه الخصومة البادية؟ انسد الأفق ولم يعد يسمع إلا صوت الجدال والعراك، ثم لمعت فكرة في رأس أحدهم فقال: ما رأيكم أن نحكِّم أول من يدخل علينا من البيت العتيق، أول داخل نرتضيه حكما وما يحكم به نزلنا عند حكمه دون جدال؟
ارتاح الناس للفكرة، ووجد المتخاصمون أن هذا الرأي سيمنع حدوث شر وشيك.
كان الداخل محمدا صلى الله عليه وسلم، ومن مثله؟ ألقى التحية عليهم وعرف منهم سر المشكلة وسرعان ما قدم الحل.
طلب أن يعطوه رداء، ثم قام ووضع الحجر الأسود في وسطه، وطلب من زعماء مكة أن يحمل كل منهم طرفا من الرداء، ثم لما وصلوا لمكان الحجر مد يده الشريفة عليه الصلاة والسلام، ووضع الحجر الأسود في مكانه.
القصة معروفة ومشهورة، لكننا اليوم أحوج ما نكون لنتذكرها ونعيد تفاصيلها، عسى ولعل أن تنفعنا في حاضر محتقن، وواقع علا فيه صوت الضجيج والغضب الذي نتج عنه محن لا يعلم إلا الله متى تنجلي.
لقد انجلت الغمة عن أهل مكة، وهدأ صوت الضجيج والغضب، لأن الحكمة المحمدية كانت حاضرة، والصوت الحازم الرحيم كان قريبا، والأفق الممتد كان هو البصيرة التي جعلت من الصادق الأمين يطفئ نيران الغضب من قلوب كاد الغضب يعميها.
لو أسقطنا هذه القصة على واقعنا اليوم وحاولنا أن نستحضرها لنستفيد منها لهالتنا الدروس والمعاني التي قدمها لنا المصطفى الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.من أعلى تلك الدروس جدية الرسول صلى الله عليه وسلم في رؤية قريش وهي آمنة مطمئنة، لا خصومة أو شقاق يفرق بين الأهل والرفاق.
هذا هدي محمد صلى الله عليه وسلم حتى قبل بعثته، فكيف بهديه بعد البعثة الشريفة؟
الدرس الثاني حرصه على مشاركة الجميع، وعلى عدم حرمان أي طرف من الأطراف التي لها الحق في نيل شرف رفع الحجر الأسود.
إنها الشراكة وليس الإقصاء، أو تجاهل طرف له حق في نيل شرف عظيم وعمل نبيل كرفع الحجر الأسود، ووضعه في مكانه الصحيح.
لم يتجاهل وجيها من وجهاء مكة، ولم يستثن واحدا من الحضور المتشوف للمشاركة في هذا الشرف العظيم.
واليوم ونحن نريد لعالمنا العربي الاستقرار والهدوء علينا أن نفهم أن لغة الإقصاء والتجاهل لن تحل المشاكل ولن يهدأ بها صوت الضجيج أبدا.
من يظن أن له حقا في المشاركة في بناء وطنه لن يتحمل الإقصاء والتهميش والرفض وإنكار الحق.
من يظن أن لديه قدرا ومكانة من الصعب أن يرضى بالانسحاب والرمي على قارعة الطريق، لأنه يدرك تماما أن قصته في وطنه تحكي العمل والعطاء والبناء والتفاني.
نعم تكثر الدروس من قصة رفع الحجر الأسود، ولم يكن الضجيج ليهدأ لولا حكمة محمد صلى الله عليه وسلم، بفضل الله ومنه وكرمه.
لعلنا هنا قد وصلنا للدرس الثالث والكبير، وهو أن من سيطفئ نيران الغضب العارم في أمتنا اليوم هو كل شخص جعل من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نبراسا له ومثلا.
واليوم كثر المتخاصمون بيننا، مما يعني حاجتنا لأعداد وفيرة من الحكماء والمصلحين وأصحاب الرأي السديد الذين نتمنى حضورهم في المشهد السياسي والإعلامي على حد سواء.
كحكمة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى خطاه ينبغي أن يتحدث المتحدثون، ويحلل المحللون ويبادر المبادرون.
كل المبادرات للحل ينبغي ألا تتخطى هذه الحكمة ولا تتجاوزها، فلن يهدأ حال العرب وهم يتباغضون فيما بينهم، ويتناحرون من أجل مكاسب محدودة!
الجميع شركاء في الوطن، ومن حقهم أن يظفروا بشرف المشاركة في بنائه ورفع قواعده سليمة صحيحة متينة تقاوم تحديات الأيام، وتستجيب لتطلعات كل فرد ينتمي لتراب وطنه.
الدرس الرابع ـ أيها القراء الكرام ـ هو التكامل والاعتراف بفضل كل ذي فضل، فليس من المروءة شطب جهود بعض الأطراف بالمجتمع والتنكر لهم، طالما أن لديهم تاريخا يشهد بانتمائهم وحبهم لأرضهم. لقد تكامل العدد المطلوب لرفع الثوب الكبير ليصل الحجر الأسود سالما صحيحا إلى مكانه.. كذلك هي الأوطان تصل لبر الأمان بالتكامل لا بالتصادم والخصومة. ومن المعيب تلك الحالة التي يتحول فيها بعض الأطراف لخصوم يتناحرون مع أطراف أخرى دون مسوغ واضح، أو لجوء إلى قانون عادل وصريح. كم في قصة رفع الحجر الأسود من دروس، وكم كان أهل قريش راغبين فعلا في منع الخصومة أو اشتعال الأزمة.
لقد كان بإمكانهم أن يرفضوا حكم محمد عليه الصلاة والسلام، لكنهم وجدوه حكما راشدا ورأيا يمنع استفحال الخصومة واستمرارها، فآثروا السلامة، ورضي كل منهم بطرف من المشاركة، لأن الصورة النهائية والشرف الكبير شارك في صنعه أهل مكة أجمعين. إن اختيار الصلح والقبول برأي الحكماء هو درس آخر نتعلمه نحن أبناء هذه الأمة ونحن نتلفت يمينا ويسارا بحثا عن مخرج مشرف للأمة كلها من مارد الخصومة الذي أكل في طريقه الأخضر واليابس!
نعم نتلفت بحثا عن مخرج مشرف، لأن الشرف، كل الشرف في حقن الدماء والتوقف عن هدر الموارد البشرية والانحياز الكامل لإنسانية الإنسان وكرامته دون قيد أو شرط.
درس من حكمة محمد
مريم عبدالله النعيمي5 دقائق للقراءة

حجم الخط
